انتقل إلى المحتوى
بيئة ومناخ

نينيو 2026: حين يُعيد المحيط الهادئ ترتيب مناخ الكوكب.. فأين تونس من المعادلة؟

شارك
نينيو 2026: حين يُعيد المحيط الهادئ ترتيب مناخ الكوكب.. فأين تونس من المعادلة؟

نينيو 2026: حين يُعيد المحيط الهادئ ترتيب مناخ الكوكب.. فأين تونس من المعادلة؟

تحليل علمي

في قلب المحيط الهادئ الاستوائي، وعلى بُعد آلاف الكيلومترات من سواحلنا، يتشكّل اليوم حدثٌ مناخي يتابعه علماء المناخ في العالم بدقّة بالغة. فبعد أشهر قليلة من ظروف “لانينيا” الباردة، انقلبت الموازين بسرعة لافتة لتدخل مياه المحيط طورًا دافئًا يُعرف بظاهرة “النينيو”. والسؤال الذي يفرض نفسه: ما حقيقة ما يجري؟ وهل تصل ارتداداته فعلًا إلى بلد متوسطي مثل تونس؟

ما الذي تقوله الأرقام؟

يعتمد العلماء في رصد الظاهرة على مؤشر يُسمّى Niño 3.4، وهو قياسٌ لمدى انحراف حرارة سطح البحر في منطقة محدّدة من وسط المحيط الهادئ عن معدّلها الطبيعي. وحين يتجاوز هذا الانحراف +0.5 درجة مئوية بشكل مستمر، نكون أمام نينيو؛ وحين يهبط تحت -0.5 درجة، نكون أمام لانينيا.

المعطيات الرصدية تكشف تحوّلًا سريعًا؛ ففي شهر ديسمبر 2025 كان الانحراف الحراري في المنطقة سالبًا عند حدود -0.6 درجة مئوية (ظروف لانينيا ضعيفة). وبحلول منتصف جويلية 2026، قفزت القراءة الأسبوعية إلى +2.1 درجة مئوية، أي ارتفاع يناهز 2.7 درجة خلال ستة أشهر فقط، وهو تطور يُصنّف من بين الأسرع في السجلّات الحديثة.

القراءة الأسبوعية (+2.1°م) تمثل مؤشرًا لحظيًا سريع التغيّر، بينما يعتمد التصنيف الرسمي على مؤشر ONI (متوسط ثلاثة أشهر)، والذي بلغ للفترة أفريل–جوان 2026 نحو +0.98°م، أي ضمن نطاق النينيو المعتدل.

من التوقّع إلى التأكيد

لم تعد الظاهرة مجرد احتمال. ففي 11 جوان 2026، رفعت الإدارة الوطنية الأمريكية للمحيطات والغلاف الجوي (NOAA) حالة التأهب رسميًا إلى “El Niño Advisory”، ما يعني أن النينيو أصبح قائمًا بالفعل، مع توقعات باستمراره واشتداده حتى شتاء 2026–2027 باحتمال يتراوح بين 97 و99%.

كما تشير النماذج المناخية إلى احتمال تطور الظاهرة نحو نينيو قوي، إذ تتوقع 13 نموذجًا من أصل 24 بلوغ مستوى يتجاوز +2.0 درجة مئوية خلال خريف 2026، مع بقاء جميع هذه السيناريوهات في إطار الاحتمالات العلمية وليس اليقين المطلق.

لماذا يهم العالم كله؟

النينيو ليس حدثًا محليًا في المحيط الهادئ، بل أحد أقوى محرّكات المناخ العالمي، إذ يعيد توزيع الحرارة والرطوبة عبر ما يعرف بـ الروابط المناخية البعيدة (Teleconnections).

وترتبط سنوات النينيو عادةً بارتفاع متوسط حرارة الأرض، وحدوث فيضانات في مناطق مثل بيرو والإكوادور وشرق إفريقيا، مقابل جفاف في أستراليا وإندونيسيا وجنوب إفريقيا، إضافة إلى اضطرابات في الإنتاج الزراعي قد تؤثر في أسعار الغذاء عالميًا.

وأين تونس من هذا كله؟

تونس ليست ضمن مناطق التأثير المباشر للنينيو، كما أن بصمة الظاهرة على مناخ البحر الأبيض المتوسط أضعف وأكثر تعقيدًا مقارنة بالمناطق المدارية، إلا أن البلاد ليست بمعزل كامل عن تأثيراتها.

وتشير الدراسات إلى وجود ارتباط سلبي عام بين مؤشر Niño 3.4 وأمطار شمال إفريقيا، خصوصًا خلال الشتاء والربيع، ما يعني أن سنوات النينيو تميل إحصائيًا إلى تسجيل أمطار أقل، دون أن يكون ذلك قاعدة حتمية.

لكن يبقى تأثير العوامل الإقليمية أكبر بكثير، وأهمها:

  • حرارة البحر الأبيض المتوسط التي تغذي موجات الحر والأمطار العنيفة.
  • تذبذب شمال الأطلسي (NAO) الذي يحدد مسار المنخفضات الجوية نحو تونس.
  • أنماط الدوران الجوي التي تتحكم في حركة الكتل الهوائية.

بعبارة أخرى، يمكن للنينيو أن يغير الخلفية المناخية العالمية، لكنه لا يحدد بمفرده مصير الموسم المطري في تونس.

ما الذي ينبغي أن نتابعه؟

في ظل التغير المناخي الذي يجعل تونس من أكثر بلدان المتوسط هشاشة، فإن اجتماع نينيو قوي مع بحر متوسط دافئ بدرجات قياسية قد يرفع احتمالات حدوث:

  • امتداد موجات الحر لفترات أطول.
  • تذبذب أكبر في توزيع الأمطار بين المواسم.
  • زيادة فرص الظواهر الجوية المتطرفة مثل الأمطار الطوفانية والجفاف.
  • ضغوط إضافية على الموارد المائية والقطاع الفلاحي.

الخلاصة

ما يحدث اليوم في المحيط الهادئ يستحق المتابعة العلمية الدقيقة، لكنه لا يدعو إلى التهويل ولا إلى التقليل من أهميته. فالمعطيات الحالية تشير إلى احتمال قوي لتطور النينيو خلال الأشهر المقبلة، بينما يبقى تأثيره على تونس غير مباشر ومحكومًا أساسًا بالعوامل المتوسطية والأطلسية المحلية.

ويبقى الموقف العلمي السليم هو متابعة المؤشرات المناخية باستمرار، والاستعداد للسيناريوهات المحتملة، بعيدًا عن الاستنتاجات المتسرعة.

وسنواصل متابعة تطور الظاهرة أولًا بأول لمعرفة ما إذا كانت ستسجل فعلًا ضمن أقوى حالات النينيو في التاريخ الحديث.

المصادر

  • NOAA / Climate Prediction Center (CPC) — نشرات ENSO وإعلان El Niño Advisory (جوان 2026).
  • International Research Institute for Climate and Society (IRI) — التوقعات الشهرية لـ ENSO (2026).
  • World Meteorological Organization (WMO) — نشرات El Niño / La Niña.
  • Scientific Reports (Nature) — Influence of atmospheric and oceanic circulation patterns on precipitation variability in North Africa (2025).
  • ScienceDirect — Variability of ENSO teleconnections and its impacts on Moroccan agriculture (2024).
  • Nature Reviews Earth & Environment — Climate impacts of the El Niño–Southern Oscillation in Africa (2025).

ملاحظة: الأرقام الرصدية الواردة في هذا المقال مؤرخة بمنتصف جويلية 2026، وهي قابلة للتحديث مع صدور النشرات الشهرية الجديدة من NOAA وIRI.

راديو كابصا اف ام · صوت قفصة