انتقل إلى المحتوى
أخبار قفصة

«أسد عرباطة».. الأزهر الشرايطي، من منجم المظيلة إلى رصاص فجر 24 جانفي 1963

شارك
بورتريه للأزهر الشرايطي بلثام أبيض على خلفية داكنة، مع عنوان «أسد عرباطة.. الأزهر الشرايطي» وشعار راديو كابصا اف ام
صورة أرشيفية للأزهر الشرايطي، مرممة بالذكاء الاصطناعي

منذ أكثر من ستين سنة، لا تعرف عائلة الأزهر الشرايطي أين يرقد جسده. رجلٌ خرج من سفوح جبل عرباطة، على بعد نحو خمسة عشر كيلومترا من مدينة قفصة، ليصبح من أشهر قادة المقاومة المسلحة ضد الاستعمار الفرنسي، ثم انتهت حياته أمام فرقة رمي بالرصاص فجر الرابع والعشرين من جانفي 1963. لا قبر معلوم يحمل اسمه، ولا وثيقة رسمية تقول أين دُفن.

الأزهر الشرايطي، ابن قبيلة الهمامة وعامل منجم الفسفاط بالمظيلة، قاد مجموعات المقاومة في الجنوب الغربي بين 1952 و1954 وانتُخب قائدا عاما لها، ثم وقف إلى جانب الحبيب بورقيبة في السنوات الأولى للاستقلال. وبعد ثماني سنوات فقط، أدانته المحكمة العسكرية بتهمة التورط في محاولة الانقلاب على بورقيبة في ديسمبر 1962، ونُفّذ فيه حكم الإعدام مع تسعة آخرين. في هذا الملف، تعيد راديو كابصا اف ام تركيب سيرته اعتمادا على ما وثّقته المصادر الصحفية والتاريخية وشهادات عائلته، مع الإشارة إلى ما بقي موضع خلاف بين الروايات.

محطات في سيرة الأزهر الشرايطي

  • 1919 أو 1920الولادة في باطن العيش بجبل عرباطة (تختلف المصادر في السنة)
  • 16 سبتمبر 1951قسم في المقر الجهوي لاتحاد الشغل بقفصة، بحسب دراسة عميرة علية الصغير
  • 18 جانفي 1952يوم اعتقال بورقيبة، وصعود الشرايطي إلى الجبل
  • ربيع 1954انتخابه قائدا عاما لمجموعات المقاومة
  • 8 ديسمبر 1954تسليم السلاح
  • ديسمبر 1962الإعلان عن إحباط محاولة الانقلاب على بورقيبة
  • 17 جانفي 1963المحكمة العسكرية تصدر ثلاثة عشر حكما بالإعدام
  • 24 جانفي 1963تنفيذ حكم الإعدام فيه مع تسعة آخرين
  • 24 مارس 2017شهادة زوجته طاووس أمام هيئة الحقيقة والكرامة
  • نوفمبر 2020رسالة ابنته ربح إلى رئيس الجمهورية للمطالبة برفاته

ابن باطن العيش

وُلد الأزهر بن أحمد الشرايطي في منطقة باطن العيش، المعروفة أيضا باسم عمرة، في جبل عرباطة بريف قفصة، وينتمي إلى فرع أولاد شرايط من قبيلة الهمامة. وتختلف المصادر في سنة ميلاده: فموقع العائلة وموقع الجزيرة يذكران سنة 1919، في حين تعتمد المؤرخة عميرة علية الصغير سنة 1920 في دراستها المنشورة سنة 2006.

نشأ في أسرة فقيرة، فاشتغل في الفلاحة ورعي الماشية، ثم التحق، مثل كثير من شباب الجهة، بمنجم الفسفاط بالمظيلة. هناك عرف قسوة العمل في باطن الأرض، وعرف معها الفوارق التي كانت تفصل بين العامل التونسي والعامل الأوروبي في زمن الاستعمار. والمظيلة التي عمل فيها ما تزال إلى اليوم أحد مواقع إنتاج الفسفاط في الحوض المنجمي، وهو ما يجعل سيرته جزءا من ذاكرة العمل المنجمي في قفصة لا من تاريخها السياسي فقط.

من فلسطين إلى عرباطة

في أواخر الأربعينيات، تطوّع الشرايطي للقتال في فلسطين ضمن متطوعين مغاربيين. وتذكر المصادر أنه عبر ليبيا ومصر وسوريا قبل أن يصل إلى الجبهة، وتختلف في سنة سفره بين 1947 و1948. عاد إلى تونس سنة 1949، فوضعته السلطات الفرنسية تحت الإقامة الجبرية والمراقبة، وقد صار في نظرها رجلا يحمل خبرة القتال.

لم تُطفئ الرقابة حماسه. فبحسب ما تنقله موسوعة المعرفة عن دراسة عميرة علية الصغير، أدّى يوم 16 سبتمبر 1951 قسما مع النقابي أحمد التليلي ومحمد عمارة الزعبوطي في المقر الجهوي للاتحاد العام التونسي للشغل بقفصة، في ما تعتبره الدراسة نواة أول خلية مسلحة. وتروي مصادر أخرى لقاء سريا جمعه بالحبيب بورقيبة قرب سيدي سالم بقفصة، اتُّفق فيه على الإعداد للكفاح المسلح.

وفي حوار نشرته صحيفة «لوموند» الفرنسية في ديسمبر 1954، قال الشرايطي إنه صعد إلى الجبل في جانفي 1952، يوم اعتقال بورقيبة. وكان ذلك يوم 18 جانفي 1952، وهو التاريخ الذي يؤرَّخ به عادة لانطلاق المرحلة المسلحة من الحركة الوطنية.

الجبل الذي صار ميدانا

على امتداد ثلاث سنوات، تحوّلت جبال قفصة والجنوب الغربي إلى ميدان لحرب عصابات. وتذكر المصادر من أبرز المعارك التي ارتبط بها اسمه معركة السلوم ومعركتي سيدي عيش ومعركة الرديف. وتصف دراسة عميرة علية الصغير معركة سيدي عيش الثانية، في نوفمبر 1954، بأنها من أكبر المعارك ضد الاستعمار في المنطقة المغاربية.

في ربيع 1954، انتخبه قادة المجموعات المسلحة قائدا عاما للمقاومة، أي أنه نال اللقب بتزكية رفاقه في الجبل لا برتبة عسكرية رسمية. وفي حواره مع «لوموند»، قدّر عدد من معه بين ألف ومئتين وألف وخمسمئة مقاتل. أما سلاحهم فكان في معظمه، بحسب المؤرخة سامية المشاط، من مخلّفات الجيوش الألمانية التي مرّت بتونس خلال الحرب العالمية الثانية.

وقد بلغ اسمه مسامع الإدارة الاستعمارية. فقد نشرت مجلة «رادار» الفرنسية سنة 1954 إعلان بحث عنه يعد بمكافأة قدرها مليونان لمن يأتي به حيا أو ميتا، ويصفه بقامة تبلغ مترا وثمانية وستين سنتيمترا وبنقطة وشم زرقاء في وسط جبينه. ومن تلك السنوات بقي لقبه الذي ما يزال يتردد إلى اليوم: «أسد عرباطة».

وتحتفظ عائلته بدفتر يوميات أخضر يغطي سنوات 1952 إلى 1954، تنسبه إليه، وقد نشرت ابنته جمعة مقتطفات منه. ومن بين ما ترويه العائلة أنه كان يوصي رجاله بعدم المسّ بنساء الجنود الفرنسيين وأطفالهم.

تسليم السلاح والاستقلال

بعد إعلان فرنسا قبول مبدأ الاستقلال الداخلي صيف 1954، انطلقت المفاوضات، ودُعي المقاومون إلى تسليم أسلحتهم. وتشير المصادر إلى أن الشرايطي سلّم سلاحه يوم 8 ديسمبر 1954، ضمن عملية واسعة شملت، بحسب سامية المشاط، أكثر من ألفين وخمسمئة مقاتل. وقبل ذلك، كان قد وجّه يوم 26 نوفمبر 1954 رسالة إلى الحبيب شطي، رئيس مصلحة الصحافة برئاسة الحكومة، نشرتها «لوموند».

وفي الأول من جوان 1955، يوم عودة بورقيبة إلى تونس، ظهر الشرايطي في صور تلك اللحظة يسير خلف الزعيم. وحين اندلع الصراع بين بورقيبة وصالح بن يوسف، انحاز إلى صف بورقيبة. ونال بعد الاستقلال فيلا في سان جرمان، الضاحية الجنوبية للعاصمة التي ستحمل لاحقا اسم الزهراء. ويتداول بعضهم أن اسم الزهراء اشتُق من اسمه، غير أننا لم نعثر على وثيقة رسمية أو دراسة تاريخية تؤكد ذلك. كما تذكر المصادر أنه ساند الثورة الجزائرية انطلاقا من الحدود بعد الاستقلال.

مرارة ما بعد النصر

لم تدم مرحلة الوفاق طويلا. فكثير من المقاومين القدامى شعروا بأن ثمار الاستقلال ذهبت إلى غيرهم. ويرى المؤرخ مصطفى التليلي، في حديث إلى إذاعة موزاييك اف ام في ماي 2025، أن ما جرى لاحقا كان نتيجة أزمات بنيوية أكثر منه طموحا شخصيا، من بينها تهميش المقاومين، والإحساس بالحيف الجهوي، وتأثّر بعض العسكريين بموجة الانقلابات في المشرق.

ثم جاءت معركة بنزرت في جويلية 1961 بخسائرها البشرية الثقيلة. ويُجمع من كتبوا عن تلك المرحلة على أنها خلّفت مرارة واسعة في صفوف عدد من الضباط الذين سيجدون أنفسهم بعد أشهر في قلب المؤامرة.

ديسمبر 1962.. المؤامرة

في أواخر ديسمبر 1962، أعلنت السلطات إحباط مخطط لاغتيال الرئيس بورقيبة وإسقاط الحكم. وضمّت المجموعة، بحسب الروايات المتوفرة، مقاومين قدامى وضباطا في الجيش وأعوانا في الأمن وشبانا من الحزب الحاكم نفسه. وتذكر المصادر أن الضابط في الحرس الرئاسي الكبير المحرزي كان مكلّفا بتسهيل الوصول إلى غرفة الرئيس.

الصفحة الأولى لجريدة الصباح سنة 1962 وعليها صور المتهمين في قضية محاولة الانقلاب على بورقيبة، ومنهم الأزهر الشرايطي
الصفحة الأولى لجريدة «الصباح» في ديسمبر 1962، وعليها صور المتهمين في قضية محاولة الانقلاب على بورقيبة. العنوان من صياغة الجريدة آنذاك (وثيقة أرشيفية).

عُرفت القضية بـ«مؤامرة الشرايطي» بسبب رمزيته، غير أن قراءات تاريخية حديثة تُعيد النظر في توزيع الأدوار. فالمؤرخ عبد الحميد الأرقش، في قراءة نشرها في سبتمبر 2026 لكتاب الباحث محمد الماي الذي ينشر خمسة وعشرين محضر استنطاق، يرى أن عمر البنبلي اضطلع بدور أكبر مما تقدّمه الرواية المتداولة. أما ابنته ربح، فتؤكد أنه انسحب حين أراد بعض الضباط حكما عسكريا، وهي رواية عائلية لم تؤكدها وثائق المحاكمة المتاحة.

أُحيل نحو خمسة وعشرين متهما على المحكمة العسكرية الدائمة بتونس، التي أصدرت يوم 17 جانفي 1963 ثلاثة عشر حكما بالإعدام. خُفّف الحكم عن ضابطين، هما المنصف الماطري وحمادي بن قيزة، وصدر حكم غيابي في حق متهم ثالث. ويتحدث شريط وثائقي أُنجز سنة 2018 بسيناريو المؤرخ خالد عبيد عن تعذيب تعرّض له الموقوفون أثناء الاستنطاق، وتصف العائلات المحاكمة بأنها كانت متسرعة.

فجر الخميس 24 جانفي 1963، عشية شهر رمضان، نُفّذ حكم الإعدام رميا بالرصاص في عشرة من المحكومين، كان الأزهر الشرايطي بينهم إلى جانب عمر البنبلي والكبير المحرزي وعبد العزيز العكرمي وآخرين. وينقل المنصف الماطري في مذكراته أن الشرايطي صاح قبل اقتياده بأنه ضحّى بكل شيء من أجل بلاده، ونادى أبناءه. ولم تُسلَّم جثته إلى عائلته أبدا.

عائلة تبحث عن قبر

بعد الإعدام، صودرت أملاك الشرايطي، ومنها فيلا الزهراء، وغادرت زوجته الثانية السويسرية فيفيان تونس مع أبنائها. أما زوجته الأولى طاووس، ابنة عمه، فبقيت في البلاد. وفي 24 مارس 2017، أدلت طاووس بشهادة مصوّرة في جلسة استماع علنية لهيئة الحقيقة والكرامة، قالت فيها إنها عُذّبت لأنها رفضت الكشف عن مخبئه، وطالبت باستعادة رفاته ودفنه في مسقط رأسه. وتوفيت سنة 2019 دون أن يتحقق طلبها.

وفي نوفمبر 2020، وجّهت ابنته ربح الشرايطي رسالة إلى رئيس الجمهورية قيس سعيّد عبر صحيفة الشروق، بحسب ما نقله موقع «الترا تونس». وقالت: «لا نريد سوى رفاته نواريها الثرى في مسقط رأسه». ولم نعثر على ردّ رسمي على تلك الرسالة. كما أسست ربح «مركز الأزهر الشرايطي المتوسطي لإنصاف النضالات الوطنية»، في حين تنشر أخته جمعة، الصحفية المقيمة في سويسرا، نصوصا في ذكراه كل جانفي. وتابع فيلم وثائقي بثّته قناة الجزيرة سنة 2020 رحلة ابنه سليم بحثا عن أثر والده.

وفي سنة 2012، أُعلن عن التعرف على رفات خمسة من المعدومين بواسطة التحليل الجيني، وهو ما نفته وزارة الدفاع رسميا آنذاك. ولم يكن اسم الشرايطي بين الخمسة.

ماذا يبقى لقفصة؟

في قفصة، يبقى اسم الأزهر الشرايطي حاضرا في الذاكرة الشفوية لأبناء عرباطة والحوض المنجمي أكثر من حضوره في الفضاء العام: لم نعثر على شارع أو مؤسسة أو نصب يحمل اسمه في الجهة. وتختصر سيرته جزءا من تاريخ الجهة الحديث: منجم الفسفاط، والنقابة، والجبل الذي احتضن المقاومة، ثم الصدام مع دولة الاستقلال.

ويبقى الملف مفتوحا على أكثر من مستوى. فنشر محاضر الاستنطاق في كتاب محمد الماي يتيح للباحثين قراءة جديدة لأحداث 1962. ويظل طلب العائلة الأساسي قائما: معرفة مكان دفنه. أما بين من يراه بطلا للتحرير ومن يقرأ دوره في محاولة الانقلاب، فيبقى الحكم للبحث التاريخي القائم على الوثيقة.

وتدعو راديو كابصا اف ام أبناء عرباطة وباطن العيش ممن يحتفظون بشهادات أو وثائق أو صور عن الأزهر الشرايطي إلى التواصل معها، حتى تُحفظ هذه الذاكرة بأصوات أصحابها.

اقرأ أيضا

المصادر

  • الجزيرة نت، «الأزهر الشرايطي.. ما بين بندقية الثورة ورصاصة الإعدام الغادرة»، 28 جوان 2020 (حُيّن في نوفمبر 2025) – www.aljazeera.net
  • الجزيرة الإنجليزية، الفيلم الوثائقي «In the Footsteps of a Tunisian Hero»، 1 أفريل 2020 – www.aljazeera.com
  • موزاييك اف ام، «لزهر الشرايطي من أسطورة المقاومة إلى المؤامرة الكبرى»، 28 ماي 2025 – www.mosaiquefm.net
  • موسوعة المعرفة، «الأزهر الشرايطي»، استنادا إلى دراسة عميرة علية الصغير «في سيرة مقاوم: الأزهر الشرايطي (1920-1963)»، مجلة روافد، العدد 11، 2006 – www.marefa.org
  • ويكيبيديا الفرنسية، «Lazhar Chraïti» – fr.wikipedia.org
  • Business News، «Moncef El Materi : Le 24 janvier 1963, j’ai failli être exécuté»، 24 جانفي 2014 – businessnews.com.tn
  • Kapitalis، «Les putschistes de 1962 sont-ils des “martyrs” ?»، 8 سبتمبر 2012 – kapitalis.com
  • Kapitalis، جمعة الشرايطي، «In memoriam : Lazhar Chraïti, une voix d’outre-tombe»، 24 جانفي 2017 – kapitalis.com
  • Kapitalis، شريط وثائقي حول محاولة الانقلاب سنة 1962 (سيناريو خالد عبيد)، 8 جانفي 2018 – kapitalis.com
  • Kapitalis، منير حنابلية، قراءة في مذكرات المنصف الماطري، 2 فيفري 2025 – kapitalis.com
  • Kapitalis، عبد الحميد الأرقش، «Notre regard sur la tentative de coup d’État contre Bourguiba en 1962»، 26 سبتمبر 2026 – kapitalis.com
  • Le Courrier de l’Atlas، تغطية جلسة الاستماع العلنية لهيئة الحقيقة والكرامة، 27 مارس 2017 – www.lecourrierdelatlas.com
  • العين الإخبارية / وكالة الأنباء الفرنسية، «”انتهاكات” عصر بورقيبة أمام التحقيق بعد 30 عاما على عزله»، 25 مارس 2017 – al-ain.com
  • الترا تونس، «ربح الشرايطي: نناشد رئيس الدولة تمكيننا من رفات المناضل الأزهر الشرايطي»، 30 نوفمبر 2020 – ultratunisia.ultrasawt.com
  • موقع عائلة الشرايطي، صفحات «Origines & jeunesse» و«Le chef des fellaghas» و«Vers l’indépendance»، وفيها نسخ من مجلة «رادار» (1954) وصحيفة «لوموند» (ديسمبر 1954) – www.lazharchraiti.org

تمّ إعداد هذا المقال بالاستعانة بتقنيات الذكاء الاصطناعي تحت إشراف إدارة التحرير.

راديو كابصا اف ام · صوت قفصة