الحضارة القبصية: ما الذي نعرفه فعلًا عن «الرماديات» وموقع المقطع في قفصة؟
هل يمكن لمدينة أن تمنح اسمها لحضارة كاملة؟ هذا ما حدث مع قفصة. فاسمها اللاتيني القديم «كابصا» (Capsa) هو الذي تحمله اليوم «الثقافة القبصية»، إحدى أبرز ثقافات ما قبل التاريخ في شمال إفريقيا، وموقعها المرجعي، المقطع، يقع على بعد نحو 10 كيلومترات شمال مدينة قفصة، بحسب ملف تونس لدى اليونسكو.
ازدهرت هذه الثقافة، وفق أحدث التقديرات، بين نحو 9000 و5400 سنة قبل الميلاد، وخلّفت تلالًا من الرماد وقواقع الحلزون تُعرف بـ«الرماديات». وفي 15 أفريل 2021 أدرجت تونس موقع المقطع في القائمة التمهيدية لليونسكو، دون أن يُصنَّف تراثًا عالميًا إلى اليوم. يعرض هذا الملف ما ثبت علميًا، وما لا يزال محل نقاش بين الباحثين، وما يعنيه ذلك لقفصة اليوم.
كيف حملت الثقافة اسم قفصة؟
ينسب الباحثون تعريف هذه الثقافة إلى عالم الآثار الفرنسي جاك دي مورغان (Jacques de Morgan)، الذي نشر ذلك سنة 1909 في كتابه «Les premières civilisations». وقد أخذت اسمها من «كابصا»، الاسم القديم لقفصة. وفي الفترة 1951-1952 وصف الباحث غوبير (E.-G. Gobert) المقطع بأنه «المحطة المرجعية» للثقافة القبصية. ويذكر ملف اليونسكو أن «الخندق الكبير» الذي حفره غوبير ما يزال محفوظًا في مكانه.
وكانت آخر الحفريات المعروفة في الموقع سنة 2012. وأظهرت نتائجها، المنشورة سنة 2015 (Morales وزملاؤه)، آثارًا تدل على صناعة السلال واستهلاك المكسّرات.
متى عاش القبصيون؟
تعتمد الدراسات الحديثة تواريخ معايَرة تمتد من نحو 9000 إلى 5400 قبل الميلاد، أي ما يقارب 11 ألفًا إلى 7400 سنة قبل الوقت الحاضر. ويقسّم الباحثون الثقافة إلى طورين: «القبصي النموذجي» (نحو 9000 إلى 6400 ق.م) و«القبصي الأعلى» (نحو 6400 إلى 5400 ق.م في الشرق). أما العلاقة بين الطورين، أتعاقبا أم تعايشا، فلا تزال موضع جدل علمي.
وللقارئ أن ينتبه إلى الفرق بين «قبل الميلاد» و«قبل الوقت الحاضر»؛ فالفارق بينهما نحو ألفي سنة، ومن هنا يأتي اختلاف الأرقام بين مرجع وآخر. ويصنّف المختصون هذه الثقافة ضمن العصر الحجري القديم الختامي (Épipaléolithique).
الرماديات: ماذا تخفي هذه التلال؟
تتميز المواقع القبصية بتلال مفتوحة في الهواء الطلق، تتكوّن من الرماد وكميات هائلة من قواقع الحلزون البري، وهي «الرماديات» أو ما تسميه المراجع الفرنسية «escargotières». وتُعد دراسة لوبيل وزملائه المنشورة في مجلة Science سنة 1976 من المراجع الأساسية فيها.
وفي دراسة حول موقعين قبصيين بحوض المكناسي في سيدي بوزيد (Saafi وزملاؤها، 2013)، غلب نوعان من الحلزون هما Leucochroa candidissima وHelix melanostoma، وكانت أغلب القواقع لحيوانات بالغة كبيرة الحجم. ويرجّح الباحثون أن جمعها تم خصوصًا في الربيع والخريف، وهو استنتاج مبني على وفرة هذه الأنواع في المواسم، لا ملاحظة مباشرة. وتشير الدراسة أيضًا إلى أن هذه الحلزونات تنتمي إلى بيئة أكثر رطوبة من بيئة اليوم، وأن بعض أنواعها نادر أو مفقود حاليًا.
ما الذي كانوا يصنعونه ويأكلونه؟
تتألف الأدوات الحجرية القبصية من شفرات دقيقة ذات ظهر وأزاميل وأدوات هندسية الشكل صغيرة الحجم. وكانت الأدوات العظمية أقل في الطور النموذجي وأكثر تنوعًا في الطور الأعلى. أما نقش قشور بيض النعام فمعروف في الطورين معًا، وقد أشار موقع «كابيتاليس» (Kapitalis) سنة 2024 إلى وجود نقوش من هذا النوع في المقطع نفسه.
وتدل البقايا على نظام غذائي يجمع بين الحلزون والحيوانات العاشبة الكبيرة والنباتات البرية، ومنها حبوب الصنوبر وثمار البلوط، بحسب دراسة Perrault 2025. وفي ما يخص طقوس الدفن، تُظهر مدافن الطور الأعلى استعمال المغرة الحمراء وخلع الأسنان، بينما تُعدّ ممارسات الدفن في الطور النموذجي شبه مجهولة. وأظهرت دراسة وراثية نشرتها مجلة Nature في مارس 2025 أن أفرادًا من العصر القبصي عُثر عليهم في موقع جبّة بتونس يحملون أصولًا مغاربية محلية.
مناخ أكثر رطوبة من اليوم
تشير دراسات المناخ القديم إلى أن الفترة الممتدة من نحو 10100 إلى 6600 سنة مضت كانت الأكثر رطوبة في تونس خلال الهولوسين، بأمطار شتوية وصيف جاف، ودون غابات كثيفة مغلقة (Desprat وزملاؤه، 2013). غير أن هذه النتائج مستمدة من عيّنات بحرية قبالة شمال تونس، ولا تعني أن قفصة كانت «سافانا خضراء» كما يتردد، فلا توجد معطيات مباشرة تؤكد ذلك.
أما في قفصة نفسها، فتدل رواسب «التوف» الجيرية على وجود ينابيع ومستنقعات على امتداد صدع قفصة، توقف تكوّنها في الهولوسين المتأخر مع تزايد الجفاف (Henchiri، 2013). وفي جنوب شرق تونس سُجّل حدث جفاف شديد بين نحو 5700 و4600 سنة مضت (Jaouadi وزملاؤه، 2016)، أي بعد نهاية الثقافة القبصية.
بين الاعتراف الدولي والحماية الفعلية
يحمل موقع المقطع في القائمة التمهيدية لليونسكو اسم «رمادية المقطع (El Magtaa)، الموقع المرجعي للثقافة القبصية»، تحت الرقم 6536 ووفق المعيار الثالث. وهي خطوة أولى قبل أي ترشح رسمي للتسجيل في قائمة التراث العالمي. ولذلك فإن ما يتداوله البعض من أن اليونسكو «اعترفت بالقبصية كأقدم حضارة في العالم» غير صحيح، كما بيّن الصحفي عادل اللطيفي في كابيتاليس (30 جانفي 2024) والمؤرخ منير بن سليمان لصحيفة «النهار» (11 فيفري 2024).
ويصف ملف تونس لدى اليونسكو حالة الموقع بأنها جيدة، وأن مخاطره تتمثل في العوامل المناخية والانجراف الطبيعي، ولا يشير إلى إجراءات حماية وطنية خاصة. وفي الجوار، أفادت صحيفة «الصباح» في فيفري 2023 بأن رماديات في ولايتي القصرين (تالة وفوسانة) حُوّلت إلى مراعٍ ومناطق سكنية، وانتقدت مسؤولة بإدارة صون التراث بوزارة الشؤون الثقافية، سامية حمامي (Samia Hammami)، الإهمال. وهذه الوقائع تخص القصرين لا قفصة.
وفي قفصة، أجرى قسم ما قبل التاريخ بالمعهد الوطني للتراث حفريات إنقاذ من 14 إلى 28 ديسمبر 2023 على رواسب رمادية في ماجورة ووادي النضور (معتمدية السند). وفي أفريل 2026 احتضن مركز التصميم بقفصة ورشات في نحت الصوان وصناعة الحلي، ضمن برنامج «تونس الخلاقة» (منظمة اليونيدو والديوان الوطني للصناعات التقليدية) مع عالم الآثار التجريبي الإسباني ماركو بلا فنتوريلي (Marco Plà Venturoli)، وشمل التدريب زيارة ميدانية إلى المقطع وجبل عربّاطة. كما نظّم المعهد الوطني للتراث ندوة دولية بقفصة من 9 إلى 12 سبتمبر 2026 لدعم ترشح الثقافة القبصية لقائمة التراث العالمي، ولم تُنشر نتائجها بعد.
ماذا بعد؟
يعرض متحف قفصة الأثري، المقابل للأحواض الرومانية، قسمًا مخصصًا لما قبل التاريخ يضم أدوات من الصوان والعظم وتمثيلات بشرية وحيوانية. وحسب الموقع الرسمي لوكالة إحياء التراث، يفتح المتحف من 9:30 إلى 16:30 شتاءً ومن 7:00 إلى 14:00 صيفًا، ويُغلق يوم الاثنين، ويُستحسن التأكد من المواعيد قبل الزيارة. وتبقى الخطوة المقبلة متابعة ما ستسفر عنه الندوة الأخيرة وملف الترشح الرسمي.
اقرأ أيضا
- Capsa Cast – الحلقة الثانية: الحضارة القبصية… أصداء من عصور ما قبل التاريخ
- وزير السياحة من ڨفصة: انطلاقة جديدة نحو وجهة سياحية مستدامة
المصادر
- Perrault, N., « Contemporaneity of the Typical and Upper Capsian (Northwest African Later Stone Age) », African Archaeological Review, 42، 2025: https://link.springer.com/article/10.1007/s10437-024-09599-0 (وفيه الإحالات إلى de Morgan 1909 وGobert 1951-1952 وLubell وزملائه 1976 وCamps-Fabrer 1966 وMorales وزملائه 2015)
- Saafi, I. وآخرون، « L’économie de subsistance dans la cuvette de Meknassy-Sidi Bouzid (Tunisie centrale) durant l’Holocène d’après l’étude malacologique »، Bulletin de la Société préhistorique française، 110(4)، 2013، ص 703-718 (ملخص).
- Desprat, S. وآخرون، Climate of the Past، 9، 2013، ص 767-787: https://cp.copernicus.org/articles/9/767/2013/cp-9-767-2013.pdf
- Jaouadi, S. وآخرون، Climate of the Past، 12، 2016، ص 1339-1359: https://cp.copernicus.org/articles/12/1339/2016/
- Henchiri, M.، Arabian Journal of Geosciences، 7، 2013/2014، ص 2081-2091 (ملخص): https://link.springer.com/article/10.1007/s12517-013-0909-2
- Lipson, M. وآخرون، Nature، 641، 12 مارس 2025، ص 925-931: https://pmc.ncbi.nlm.nih.gov/articles/PMC12094895/
- اليونسكو، القائمة التمهيدية، رقم 6536، «Rammadiya d’El Magtaa (El Mekta)»، 15 أفريل 2021: https://whc.unesco.org/en/tentativelists/6536/
- كابيتاليس / أنباء تونس، 16 أفريل 2021: https://kapitalis.com/anbaa-tounes/?p=264298
- كابيتاليس / أنباء تونس، عادل اللطيفي، 30 جانفي 2024: https://kapitalis.com/anbaa-tounes/?p=5607335
- صحيفة النهار، «القبصية في تونس: موروث إنساني مهّد لازدهار حضارات كبرى»، 11 فيفري 2024: https://www.annahar.com/arabic/politics/arabi-world/almaghreb-alarabi/204318/القبصية-في-تونس-موروث-إنساني-مهد-لازدهار-حضارات-كبرى
- African Manager، 26 فيفري 2023 (نقلًا عن صحيفة الصباح، 23 فيفري 2023): https://africanmanager.com/?p=449152
- تونس نيميريك، 4 جانفي 2024: https://www.tunisienumerique.com/gafsa-de-nouvelles-revelations-sur-la-periode-neolithique-et-civilisation-capsienne/
- La Presse، 24 أفريل 2026: https://fr.allafrica.com/stories/202604250020.html
- La Presse، 3 سبتمبر 2026: https://www.lapresse.tn/?p=4357219
- «Patrimoine de Tunisie»، المتحف الأثري بقفصة: https://www.patrimoinedetunisie.com.tn/en/museums/the-archaeological-museum-of-gafsa/






