فريال نايلي… حين تختار شابة من المظيلة أن تكتب قصة جديدة للمدينة خارج مناجم الفسفاط

في مدينة صغيرة جنوب تونس اسمها المظيلة، عادة ما تُذكر فقط مع كلمة “الفسفاط”، وُلدت قصة مختلفة. قصة شابة قررت أن تقلب المعادلة: أن تجعل المجتمع المدني عنواناً جديداً للمدينة، بديلاً عن البطالة والاحتجاجات التي أرّقت الأهالي لسنوات.

بداية الحكاية

فريال نايلي، شابة درست القانون في سوسة، عادت سنة 2018 إلى مدينتها المظيلة. في البداية، بدا المشهد محبطاً: شباب عاطل، مقاهٍ مكتظة، فراغ ثقافي ورياضي شبه كامل. لكن بدل أن تنتظر “معجزة”، اختارت فريال أن تخلق فضاءً جديداً. انخرطت في جمعية قفصة الذكية، ولم تكتفِ بدور المتطوّعة العادية، بل تحولت مع الوقت إلى مكلفة بالمشاريع، تقود مبادرات لفائدة شباب وفتيات منطقتها.

“رجوعي للمظيلة ما كانش رجوع عادي… حسّيت إني عندي واجب نبدّل من صورة مدينتي. العمل الجمعياتي عطاني معنى، خلاني نحس اللي عندي دور نلعبو.”

فريال

مدينة يغلب عليها الطابع الذكوري

المظيلة تعدّ حوالي 16,883 ساكناً (8,369 امرأة مقابل 8,514 رجل). ورغم هذا التوازن العددي، فإن المجتمع المدني ما يزال ذكورياً بامتياز: من بين 53 جمعية، فقط 9 تترأسها نساء.
هذا الغياب لا يعكس مجرد أرقام، بل يترجم عقبات يومية تواجهها النساء: ثقافة محافظة، ضعف دعم رسمي، ونظرة اجتماعية تقلل من قيمة العمل الجمعياتي.

الجمعيات كملاذ بديل

ورغم العراقيل، بدأت الجمعيات تتحول إلى متنفس للشابات. ففي جمعية قفصة الذكية وحدها، ارتفع عدد الفتيات المنخرطات من 110 سنة 2021 إلى 155 سنة 2024. أرقام صغيرة لكنها تكشف عن ثقة متزايدة في المجتمع المدني كمساحة بديلة للتمكين واكتساب المهارات.

“الفضاء هذا فتحلي أبواب ما كنتش نتخيلها… تعلّمت نكتب مشاريع، نفاوض، ننظم أنشطة. والأهم من هذا، شفت برشة بنات كيفي قاعدين يكتشفوا قوتهم.”

فريال

أرقام على الورق… وأثر ضعيف في الميدان

تحتضن المظيلة 53 جمعية: 16 تنموية، 14 ثقافية، 13 اجتماعية وشبابية، 7 كشافة ومصائف، و2 رياضية.
لكن وراء هذه الأرقام، يكشف الواقع محدودية الأثر. فالأحياء الشعبية والقرى المنجمية ما تزال تعيش التهميش، وسط غياب مشاريع مستدامة قادرة على تغيير الحياة اليومية.

التحدي الأكبر: القيادة النسائية

تجربة فريال تسلط الضوء على سؤال جوهري: كيف تنتقل المرأة من مجرد مشاركة إلى صانعة قرار داخل المجتمع المدني؟
فقط 17% من الجمعيات في المظيلة ترأسها نساء. هذا الرقم يعكس هشاشة القيادة النسائية، لكنه لا يخفي مؤشراً إيجابياً: ارتفاع عدد الشابات المنخرطات يوحي بتحول بطيء لكنه ثابت، قد يخلق جيلاً جديداً من القيادات النسائية.

بين الفسفاط والمستقبل

المظيلة ما تزال رهينة لمناجمها، لكن قصص مثل قصة فريال نايلي تفتح نوافذ جديدة. مجتمع مدني يتشكل خطوة خطوة، فتيات يتجرأن على كسر الصور النمطية، وشابة قررت أن تجعل من “العمل الجمعياتي” هوية يومية وليست مجرد نشاط عابر.

منطقتنا عطتنا برشة… واليوم دورنا نردّولها الجميل ونخليوا أثر للأجيال الجاية

فريال

ليست الأرقام وحدها من تحكي واقع المظيلة، بل وجوه مثل وجه فريال نايلي. وجوه تقاوم البطالة والتهميش بخلق فضاءات بديلة، وتصرّ على أن المرأة في المظيلة ليست مجرد رقم في إحصاء، بل قوة قادرة على صنع التغيير.

موضوعات ذات صلة