عيد الجلاء: 63 عاما على رحيل آخر جندي فرنسي من بنزرت
تحيي تونس اليوم الخميس 15 أكتوبر 2026 الذكرى الثالثة والستين لعيد الجلاء، تاريخ مغادرة آخر القوات الفرنسية قاعدة بنزرت سنة 1963. ولم تكن بنزرت وحدها في تلك المعركة، إذ يذكر المؤرخ عادل بن يوسف أبناء قفصة والرديف بين شهدائها.
عصر يوم الثلاثاء 15 أكتوبر 1963، صدر الأمر من جسر السفينة الحربية «غوستاف زيدي» التي كانت ترفع علم الأميرال فيفيي، آخر قائد للقاعدة الفرنسية في بنزرت. كان ذلك في حدود الساعة الثالثة والنصف، وبه انتهى وجود عسكري فرنسي دام أكثر من ثمانين عاما في المدينة الواقعة في أقصى الشمال التونسي.
لحظة الرحيل تلك، التي يحتفل بها التونسيون كل سنة، كانت ثمرة طريق طويل بدأ قبل سبع سنوات، ومرّ بأربعة أيام دامية في صيف 1961.

سبع سنوات بين الاستقلال والجلاء
حصلت تونس على استقلالها يوم 20 مارس 1956، غير أن فرنسا احتفظت بقاعدة بنزرت البحرية والجوية، لموقعها الاستراتيجي على البحر الأبيض المتوسط. وفي 17 جويلية 1958، قررت الحكومة التونسية العمل على إجلاء القوات الفرنسية المتبقية بالطرق الدبلوماسية، بعد العدوان على ساقية سيدي يوسف في فيفري من السنة نفسها.
عادت الأزمة إلى الواجهة في ربيع 1961، حين أعلنت قيادة القاعدة أشغال توسعة لمدرج مطار سيدي أحمد. وفي 30 جوان 1961 تصدّت قوات الحرس الوطني لتلك الأشغال، ثم أعلن الديوان السياسي للحزب الدستوري يوم 4 جويلية فشل المفاوضات، وانطلقت في اليوم الموالي التعبئة الشعبية في كامل أنحاء البلاد، وتوجّه مئات المتطوعين من الشباب والكشافة والمقاومين نحو بنزرت.
أربعة أيام من جويلية 1961
يوم 19 جويلية 1961، حاصرت وحدات الجيش التونسي، ومعها آلاف المتطوعين، القاعدة الفرنسية. وردّت فرنسا بتعزيزات كبيرة شملت مظليين قدموا من الجزائر وقصفا جويا، فتحوّلت المواجهة إلى حرب شوارع غير متكافئة بين جيش ناشئ ومدنيين لا يحملون في أغلبهم سلاحا، من جهة، وقوة عسكرية كبرى من جهة أخرى.
تواصلت الاشتباكات إلى يوم 22 جويلية، تاريخ صدور القرار عدد 164 عن مجلس الأمن الدولي الداعي إلى الوقف الفوري لإطلاق النار. وكانت الخسائر التونسية فادحة: يورد المؤرخ عادل بن يوسف، استنادا إلى الإحصائيات الرسمية، 670 شهيدا و1155 جريحا، وتختلف التقديرات بين المصادر. ودُفن عدد كبير من الشهداء في مقابر جماعية، أقيم فوقها لاحقا نصب تذكاري في بنزرت. وبعد ثلاثة أيام، يوم 25 جويلية، زار الأمين العام للأمم المتحدة داغ همرشولد المدينة.

من قفصة والرديف إلى بنزرت
بين قفصة وبنزرت أكثر من أربعمائة كيلومتر، لكن نداء صيف 1961 قطع تلك المسافة. ففي قراءته لأحداث المعركة، يروي المؤرخ عادل بن يوسف أن المتطوعين وفدوا على بنزرت من سائر الجهات، على متن حافلات وشاحنات، بتأطير من هياكل الحزب والحرس الوطني، وكان بينهم تلاميذ وطلبة ومعلمون وكهول من مختلف المهن.
ويذكر المؤرخ أن كثيرا من أبناء قفصة والرديف استشهدوا في تلك الأيام، إلى جانب أبناء بنزرت ونابل والقيروان وباجة والقصرين ومدنين وسوسة والمنستير ومساكن وزرمدين، ليخلص إلى أن معركة بنزرت لم تكن معركة أهلها وحدهم بل معركة كل التونسيين.
أسماء شهداء الجهة وحكاياتهم لا تزال، في أغلبها، حبيسة الذاكرة العائلية. وتدعو راديو كابصا اف ام كل من يحتفظ بشهادة أو صورة أو وثيقة عن أبناء ولاية قفصة الذين شاركوا في معركة الجلاء إلى التواصل معها، حتى تُحفظ هذه الذاكرة بأصوات أصحابها.

من وقف إطلاق النار إلى يوم الرحيل
بعد المعركة، انتقلت قضية بنزرت إلى أروقة الأمم المتحدة، ثم إلى طاولة المفاوضات بين البلدين في روما خلال ديسمبر 1961 وفي باريس في جانفي 1962، وانتهت بقبول فرنسا مبدأ الجلاء. وفي 4 أكتوبر 1962 أُعلن أن إخلاء القاعدة سيتم يوم 15 أكتوبر 1963.
وفي ذلك اليوم، غادرت آخر السفن الفرنسية ميناء بنزرت، فاكتملت السيادة التونسية على كامل التراب الوطني، بعد اثنتين وثمانين سنة من انتصاب الحماية سنة 1881.
في المختصر: محطات الجلاء
- يوم 20 مارس 1956: استقلال تونس، مع بقاء قاعدة بنزرت بيد فرنسا
- يوم 30 جوان 1961: الحرس الوطني يتصدّى لأشغال توسعة مطار سيدي أحمد
- يوم 5 جويلية 1961: انطلاق التعبئة الشعبية وتوافد المتطوعين على بنزرت
- من 19 إلى 22 جويلية 1961: معركة الجلاء، ثم قرار مجلس الأمن عدد 164 بوقف إطلاق النار
- يوم 4 أكتوبر 1962: الإعلان عن موعد إخلاء القاعدة
- يوم 15 أكتوبر 1963: رحيل آخر القوات الفرنسية عن بنزرت
ذكرى تثير النقاش
لم تُجمع القراءات التاريخية على تقييم واحد لمعركة بنزرت. فهناك من يراها «معركة بورقيبة» كان يمكن تفاديها بالتفاوض، وهناك من يراها معركة شعب دفع ثمنا باهظا، لكنها انتهت بالجلاء التام. ويلاحظ صحفي من أبناء بنزرت أن تاريخ الرحيل هو الذي رسخ في الأذهان ويُحتفل به سنويا، في حين طوى النسيان كثيرا من أبطال معركة جويلية 1961 وبطلاتها.
واليوم، يبقى 15 أكتوبر عطلة رسمية خالصة الأجر بالنسبة لأعوان الدولة والجماعات المحلية والمؤسسات العمومية، وتشمل أيضا المؤسسات التربوية، على أن تُستأنف الدروس والعمل بصفة عادية يوم الجمعة 16 أكتوبر 2026. أما في القطاع الخاص، فتخضع العطلة لمجلة الشغل وللاتفاقيات المشتركة القطاعية.
اقرأ أيضا: «أسد عرباطة».. الأزهر الشرايطي، من منجم المظيلة إلى رصاص فجر 24 جانفي 1963
اقرأ أيضا: رزنامة العطل المدرسية 2026-2027: كلّ المواعيد حتّى 30 جوان
المصادر: إذاعة موزاييك اف ام (15 أكتوبر 2025) · لابراس (15 أكتوبر 2025) · ليدرز العربية، عادل بن يوسف، «أضواء على معركة الجلاء» · الجزيرة نت، «معركة الجلاء ببنزرت 1961» (18 أكتوبر 2022) · ويكيبيديا، «أحداث بنزرت» · موقع Chemins de mémoire التابع لوزارة الجيوش الفرنسية · نون بوست (15 أكتوبر 2015) · إنكفاضة، «بنزرت: وراء آخر جندي فرنسي» · تونيسكوب (13 أكتوبر 2026).
تمّ إعداد هذا المقال بالاستعانة بتقنيات الذكاء الاصطناعي في البحث المعمّق والتحقّق من الأخبار الزائفة، وتوليد الصور التوضيحية تحت إشراف إدارة التحرير.






