المها والنعام في بوهدمة: كيف تعود حيوانات انقرضت من تونس إلى بريّتها؟
بدأت التجربة سنة 1985 بعشرة رؤوس فقط من المها أبو حراب، نُقلت إلى الحديقة الوطنية ببوهدمة الممتدّة بين ولايتي قفصة وسيدي بوزيد، لإعادة نوع اختفى من البلاد منذ مطلع القرن العشرين. وبعد قرابة أربعة عقود، صار للمها قطعان في أربع محميات، وعاد معه النعام أحمر الرقبة، الذي تحتضن محمية عرباطة بولاية قفصة نواة لتكاثره.
آخر سهب للطلح على أبواب قفصة
على بعد نحو 85 كيلومترا شرق مدينة قفصة، يرتفع جبل بوهدمة فوق سهول جافة تتناثر فيها أشجار الطلح، أو الأكاسيا الصحراوية. هذا المشهد، الأقرب إلى سافانا الساحل الإفريقي منه إلى سهوب الوسط التونسي، هو آخر سهب مشجّر بالطلح في تونس، حسب دراسات علمية أُجريت في المكان.
صُنّفت المنطقة محمية للمحيط الحيوي ضمن برنامج اليونسكو منذ سنة 1977، ثم أُحدثت فيها الحديقة الوطنية ببوهدمة يوم 18 ديسمبر 1980، على مساحة تناهز 16 ألفا و500 هكتار تتقاسمها ولايتا قفصة وسيدي بوزيد. وتضمّ الحديقة، إلى جانب نباتاتها وحيواناتها، بقايا أثرية تعود إلى الفترة الرومانية.
عشرة رؤوس لإعادة نوع اختفى
كان المها أبو حراب، وهو ظبي أبيض بقرنين طويلين مقوّسين إلى الخلف، يجوب سهوب الجنوب التونسي، قبل أن يختفي منها في مطلع القرن العشرين بسبب الصيد المفرط، حسب دراسة علمية حول هذا الحيوان في بوهدمة.
وفي سنة 1985، وصلت إلى بوهدمة عشرة رؤوس، خمسة ذكور وخمس إناث، جاءت من حديقتي مارويل وإدنبرة في المملكة المتحدة، في برنامج انطلق بالشراكة مع الإدارة العامة للغابات. لم يكن الهدف عرض حيوانات نادرة للزوّار، بل إعادة نوع إلى المكان الذي عاش فيه، داخل مساحات محمية ومسيّجة من موطنه الأصلي.
ومن بوهدمة انطلقت مراحل أخرى. ففي فيفري 2007، نُقلت ثمانية رؤوس من الحديقة إلى الحديقة الوطنية بدغومس في ولاية توزر، وأُطلقت فيها مطلع سنة 2008 إلى جانب حيوانات جاءت من حدائق أوروبية وأمريكية لتنويع رصيدها الوراثي. واليوم يعيش المها في أربع محميات تونسية هي بوهدمة ودغومس وسيدي التوي ووادي الدكوك، وقد بلغ عدده نحو 210 رؤوس سنة 2022، رغم الجفاف الشديد الذي أثّر في بعض القطعان، حسب منظمة مارويل للحياة البرية التي تتابع البرنامج منذ بدايته.
وعلى المستوى العالمي، كان الاتحاد الدولي لحماية الطبيعة قد صنّف المها أبو حراب سنة 2000 نوعا «منقرضا في البرية»، قبل أن يخفّف تصنيفه سنة 2023 إلى «مهدّد بالانقراض»، بفضل برامج إعادة التوطين في تونس وتشاد وغيرهما.
النعام أحمر الرقبة: عودة بعد 127 سنة… ونواة في قفصة
الطريقة نفسها أعادت النعام أحمر الرقبة، أو نعام شمال إفريقيا، أكبر سلالات النعام حجما. كان هذا الطائر كثيرا في جنوب البلاد، ثم اختفى في أواخر القرن التاسع عشر، وتعود آخر ملاحظة مسجّلة له إلى سنة 1887، حسب منظمة مارويل.
تكوّنت النواة الأولى من طيور جُلبت من الحديقة الوطنية سوس ماسة بالمغرب ومن المركز الوطني لأبحاث الحياة الفطرية بالسعودية. وفي محمية عرباطة بولاية قفصة، وُضعت مجموعة من هذه الطيور في سياج مساحته 10 هكتارات، وبدأت تتكاثر مطلع سنة 2011، لتصبح عرباطة نواة لإنتاج طيور تُطلق لاحقا في المحميات.
وفي أكتوبر 2014، أُطلقت تسعة طيور بالغة في الحديقة الوطنية بدغومس، في أول عودة للنعام إلى البرية التونسية بعد غياب دام 127 سنة. ثم أُعيد إلى سيدي التوي وبوهدمة، حيث فقست أولى صغار الطيور المُعادة إلى بوهدمة سنة 2022. وفي السنة نفسها، بلغ عدد النعام في تونس نحو 80 طائرا بالغا إلى جانب الصغار، حسب المنظمة ذاتها.
من قشور بيض النعام القفصي إلى برية اليوم
للنعام في ذاكرة قفصة حكاية أقدم بكثير من هذه البرامج. فالحضارة القفصية، التي تحمل اسم «كابصا»، الاسم القديم لمدينة قفصة، عُرفت حسب الدراسات الأثرية باستعمال قشور بيض النعام في صنع الخرز والأواني، وبنقش بعضها. أي أن الطائر الذي يعود اليوم إلى عرباطة وبوهدمة كان جزءا من حياة من سكنوا هذه الأرض قبل آلاف السنين.
اقرأ أيضا: الحضارة القبصية: ما الذي نعرفه فعلًا عن «الرماديات» وموقع المقطع في قفصة؟
ترميم برية، لا جمع حيوانات
ما يجري في بوهدمة وعرباطة ليس جمعا لحيوانات نادرة في مكان واحد. فحسب منظمة مارويل، تندرج عودة النعام ضمن برنامج وطني أوسع لترميم المنظومات البيئية في المناطق الجافة، عبر شبكة من الحدائق والمحميات على أطراف العرق الشرقي الكبير. ويقوم العمل على شراكة مع الإدارة العامة للغابات والمندوبيات الجهوية للتنمية الفلاحية، ومنها مندوبية قفصة، وعلى تكوين الحرّاس المحليين، الذين يملك أغلبهم خبرة تقليدية في تربية الماشية، في رعاية الطيور ومتابعة القطعان.
ويبقى النجاح هشّا: فالجفاف وتراجع الغطاء النباتي والحيوانات المفترسة أثّرت في بعض القطعان والأعشاش خلال السنوات الأخيرة، وهو ما يجعل توزيع الحيوانات على عدّة محميات وسيلة لتقليص خطر خسارتها دفعة واحدة.
اقرأ أيضا: دعم المراقبة المستمرة للمناطق الغابية والمنظومات الطبيعية باستعمال وسائل حديثة
في المختصر
- سنة 1985: إطلاق 10 رؤوس من المها أبو حراب في بوهدمة.
- سنة 2022: نحو 210 رؤوس من المها في أربع محميات تونسية.
- سنة 2014: عودة النعام أحمر الرقبة إلى البرية بعد 127 سنة من الغياب.
- منذ سنة 2011: نواة لتكاثر النعام في محمية عرباطة بولاية قفصة.
المصادر: منظمة مارويل للحياة البرية (تقارير 2015 و2016 و2023)، دليل الحديقة الوطنية بدغومس (وزارة البيئة)، برنامج Reverse the Red، شبكة Medomed، دراسة حول المها في بوهدمة (مجلة جامعة الملك سعود للعلوم)، مجلة Cahiers Agricultures، مجلة African Archaeological Review (2025)، المكتب الإعلامي لحكومة أبوظبي، قناة ITV (13 ديسمبر 2023).
تمّ إعداد هذا المقال بالاستعانة بتقنيات الذكاء الاصطناعي في البحث المعمّق والتحقّق من الأخبار الزائفة، وتوليد الصور التوضيحية تحت إشراف إدارة التحرير.






