واد الباي بقفصة: أحواض رومانية تحفظ ذاكرة الماء والقمزة
يقفز شاب من أعلى السور الحجري، ويرتطم بالماء الأخضر في قاع الحوض، بينما يتابعه آخرون من فوق الحجارة المنحوتة. مشهد «القمزة» هذا عاد إلى واد الباي، الاسم الذي يطلقه أهالي قفصة على الأحواض الرومانية في قلب مدينتهم العتيقة.
واد الباي حوضان من الحجر المنحوت تحيط بهما أسوار عالية، قبالة المتحف الأثري بقفصة، يسمّيهما أهل المدينة «الواد الكبير» و«الواد الصغير». والمعلم مصنّف منذ 3 مارس 1915، وهو غير «الترميل»، الحمّام الأثري المجاور الذي كثيرا ما يُخلط به.

الواد الكبير والواد الصغير: ما تقوله الأبحاث عن الحوضين
يصف المؤرخ بيار تروسّي في الموسوعة البربرية، نقلا عن الباحث شارل سوماني، حوضين يتصلان بقنوات مقبّبة تحت الأرض وتحيط بهما جدران عالية من الحجر المنحوت ما زالت تحمل بقايا نقوش لاتينية.
الحوض الشرقي مستطيل طويل يبلغ نحو 15 مترا في 6.5 أمتار. أما الحوض الأوسط فأوسع، وشكله شبه منحرف يبلغ طول ضلعيه الكبيرين 19 و16 مترا، ويحدّه من جهة دار الباي رواق بأقواس. وفي ركنه الشمالي الغربي درج ينزل إلى أحواض مغطاة كانت تُستعمل حمّامات بخار، تغذّيها فوائض مياه الحوضين.
وتنبع المياه، بحسب المصدر نفسه، من الصخر الذي شُيّدت فوقه القصبة الحفصية. وحين زار الرحّالة الفرنسي فيكتور غيران قفصة في أفريل 1860 قاس حرارة العين فوجدها 31 درجة، ورأى فيها «جمعا من الأسماك الصغيرة».

نقش لاتيني يهدي ماء كابصا إلى نبتون والحوريات
لا تحدّد المصادر الأثرية تاريخا دقيقا لبناء الحوضين، وتنسبهما إلى العهد الروماني اعتمادا على طريقة البناء بالحجارة الضخمة وعلى النقوش. وأشهر هذه النقوش إهداء مسجّل في مدوّنة النقائش اللاتينية تحت رقم CIL VIII 120.
وجاء في النقش، بحسب قراءته المنشورة، ما معناه: «مقدَّس لنبتون والحوريات. غنايوس يونيوس بن غنايوس، من قبيلة بابيريا، أنشأ قناة ماء وعينا على نفقته الخاصة وأهداهما بقرار من مجلس المدينة».
وقد رأى غيران سنة 1860 بقايا هذا النقش موزّعة على تسع كتل حجرية أُعيد ترتيبها في فوضى، فوق محراب مقوّس في جدار الحوض الأصغر كان مخصّصا لتمثال. أما لوحة الفسيفساء التي تمثّل نبتون اليوم في أحد الجدران فإضافة حديثة.

عين داخل الأسوار منذ عهد يوغرطة
يذكر المؤرخ اللاتيني سالوستيوس، في روايته لحرب يوغرطة، أن كابصا كانت «مدينة كبيرة منيعة»، لا تملك داخل أسوارها إلا عينا واحدة دائمة. وقد استولى عليها القائد الروماني ماريوس نحو سنة 107 قبل الميلاد وأحرقها.
ثم نهضت المدينة من جديد: كانت في عهد الإمبراطور تراجان مدينة يديرها قضاة محليون، وصارت بلدية رومانية في عهد هادريان، ثم مستعمرة. وفي نحو سنة 540 أحاطها القائد البيزنطي سليمان بسور وحملت اسم «جوستينيانا»، بحسب تروسّي.
ولم يغب الماء عن كتب الجغرافيين العرب. فقد ذكر البكري في القرن الحادي عشر عيونا تنبع داخل المدينة وتسقي بساتينها، وذكر الإدريسي في القرن الثاني عشر عينا تُسمّى «الطرميذ»، وهو الاسم الذي يُرجَّح أنه أصل كلمة «الترميل».

الترميل: حمّام أثري آخر عند سفح القصبة
على خطوات من واد الباي يقوم «الترميل»، وهو معلم مستقل بذاته. يصفه دليل «قفصة السياحة» بأنه مبنى حمّامات في زاوية من البرج، يضمّ ثلاثة أحواض ظلّت مستعملة إلى وقت قريب. وفي قفصة يُعرف حوضاه بحوض الرجال وحوض النساء.
وكانت العرائس يقصدن الترميل قبل الزفاف، بحسب مقال نُشر في مارس 2026 يصفه بأنه حمّام مكشوف تغذّيه عيون الواحة، ويحذّر من تدهور حالته بعد عقود من الإهمال.

وتُظهر شهادة غيران أن كلمة «ترميل» كانت تُطلق سنة 1860 على أكثر من حوض في قفصة: فقد وصف داخل القصبة عينا لا تنضب يُنزل إليها بدرج من نحو عشرين درجة، تصبّ عبر قناة تحت الأرض في خزّان خارج القصبة «يُسمّى الترميل». ووصف قرب دار الباي «ترميل الباي»، وهو عين تغذّي حجرات استحمام صغيرة ثم تنساب مياهها إلى الحوضين الكبيرين.
وهذا التعدّد في التسمية هو ما يفسّر الخلط المتكرّر في الكتابات والصور بين المعلمين. أما قائمة المعالم المصنّفة لدى المعهد الوطني للتراث فتسمّي الحوضين «الصهاريج الرومانية»، وتؤرّخ ترتيبهما بيوم 3 مارس 1915، في اليوم نفسه الذي رُتّب فيه الجامع الكبير وسور المدينة.


من عين تسقي الواحة إلى حوض يجفّ
كانت الأحواض تُملأ من عيون طبيعية تنبع من أرضها، وتُستعمل مياهها في ري الواحة القريبة، بحسب ولاية قفصة. ويقدّر دليل ميشلان حرارة هذه المياه بنحو 30 درجة، وكان الأطفال يسبحون فيها طوال الصيف.

غير أنّ حفر الآبار لتزويد الواحة جفّف المائدة المائية السطحية، فصارت الأحواض تجفّ لفترات طويلة. وفي سنة 2021 وصفت وكالة تونس إفريقيا للأنباء واد الباي بأنه «معلم أجوف لا وجود للمياه فيه».

القمزة: قفزة عمرها قرن على الأقل
في ماي 2025 عادت المياه إلى الأحواض، واحتضنت في أواخر الشهر تظاهرة «القمزة» التي نظّمتها وزارتا الثقافة والرياضة مع المكتب المحلي لمنظمة الثقافة والرياضة والعمل. وتعني الكلمة في لهجة قفصة القفز في الماء.
وقال كمال عبادي، رئيس المكتب المحلي للمنظمة، إنّ التظاهرة تهدف إلى «إعادة الاعتبار إلى رياضة القفز في الأحواض». وتضمّن برنامجها عروض قفز للشباب والكهول، وعرضا مسرحيا عن تاريخ المدينة، وزيارات إلى متحف قفصة.

وليست القمزة وليدة اليوم: تُظهر شريحة زجاجية صوّرها الجيولوجي السويسري ليو فيرلي سنة 1935 شبانا يقفزون من فوق قوس النفق إلى الماء، وتظهر صور أقدم سابحين في الحوض سنة 1905.
ويحفظ الموروث الشفوي حول المكان حكايات منها أنّ العيون لا تتدفّق بقوة إلا إذا ذُبح عجل في مدرج الأحواض، وأنّ حوريات الماء تحرس السابحين من الغرق.
اقرأ أيضا: وادي الباي: من معلم أثري إلى قاطرة ثقافية وسياحية
معلم مصنّف ينتظر مكانه في المسالك السياحية
تعود آخر تهيئة شاملة للموقع إلى تسعينيات القرن الماضي. ورغم ذلك يبقى بعيدا عن مسالك السياحة الكبرى، إذ تمرّ أفواج الزوار بقفصة نحو الجريد دون توقف، بحسب مقال نُشر في ماي 2026.

وعلى بعد خطوات، يعرض المتحف الأثري بقفصة، المفتوح منذ 1990، أدوات الحضارة القفصية ولوحات فسيفساء رومانية، من بينها لوحة الألعاب الرياضية، ويمكن أن تجمع زيارة واحدة واد الباي والترميل والمتحف.
اقرأ أيضا: وزير السياحة من ڨفصة: انطلاقة جديدة نحو وجهة سياحية مستدامة
المصادر: P. Trousset، مدخل «Capsa»، الموسوعة البربرية (Encyclopédie berbère)، العدد 12، 1993، OpenEdition · Victor Guérin، Voyage archéologique dans la Régence de Tunis، الجزء الأول، باريس، 1862، ص 276-278 و285 (archive.org) · قاعدة SIRAR/MITRA، جامعة كارلوس الثالث بمدريد، بطاقة النقش CIL VIII 120 (AE 1934, 170؛ ILTun 293) · سالوستيوس، حرب يوغرطة، الفصل 89 · المعهد الوطني للتراث، قائمة المعالم التاريخية والأثرية المرتّبة والمحمية · ولاية قفصة (لمحة عن الولاية) · دليل ميشلان، «Piscines romaines de Gafsa» · وكالة تونس إفريقيا للأنباء عبر باب نات (2021) · العين الإخبارية، «قمزة تُعيد أمجاد الأحواض الرومانية في تونس» (29 ماي 2025) · Webdo، حاتم بوريال (16 ماي 2026) · La Presse de Tunisie، حافظ الطرابلسي، «Gafsa : Le Tarmil, un joyau en péril au cœur de l’oasis» (30 مارس 2026) · Gafsa Tourisme، «Gafsa : Les monuments» (2011) · Visit Tunisie، «Gafsa» · الصور الأرشيفية: Wikimedia Commons (مكتبة ETH زيورخ، Touring Club Italiano، فيرا نيكول، الدكتور ترسان، إبراهيم قديش، TOUMOU)
تمّ إعداد هذا المقال بالاستعانة بتقنيات الذكاء الاصطناعي في البحث المعمّق والتحقّق من الأخبار الزائفة، وتوليد الصور التوضيحية تحت إشراف إدارة التحرير.






