انتقل إلى المحتوى
أخبار قفصة

الأحواض الرومانية بقفصة: حكاية ماءٍ صنع مدينة منذ أكثر من ألفي عام

شارك
شبان يسبحون في أحد الأحواض الرومانية بقفصة وآخرون فوق السور الحجري، مع عنوان «أحواض رومانية بقفصة: ماءٌ وذاكرة» وشعار راديو كابصا اف ام

قبل أكثر من ألفي عام، عبر القائد الروماني ماريوس صحراء الجنوب بجنوده. كان جيشه يحمل الماء في قِرَب صُنعت من جلود الماشية، وكان هدفه مدينة محصّنة وسط القفار اسمها كابصا. يذكر المؤرخ اللاتيني سالوستيوس أنّ هذه المدينة لم تكن تملك إلا عينًا واحدة، داخل أسوارها، لا ينقطع ماؤها. تلك العين هي التي ستُبنى حولها لاحقًا الأحواض التي يعرفها أهل قفصة اليوم. والسؤال الذي يطرحه كثيرون منهم الآن بسيط وموجع: هل ما زال ذلك الماء يجري؟

في قلب المدينة العتيقة بقفصة، قبالة المتحف الأثري وعلى مقربة من دار الباي، يقوم حوضان كبيران من الحجر المنحوت تحيط بهما أسوار عالية. يسمّيهما الناس “الأحواض الرومانية” أو “الترميل”. هذا المعلم مُدرج ضمن قائمة المعالم المصنّفة لدى المعهد الوطني للتراث منذ 3 مارس 1915، وهو من آخر الشواهد الظاهرة على مدينة كابصا القديمة. يعود راديو كابصا اف ام في هذا الملف إلى تاريخه كما ترويه المصادر الموثوقة، وإلى حاضره بين الجفاف ومحاولات الإحياء.

مدينة وُلدت حول عين

في روايته لحرب يوغرطة، يصف سالوستيوس كابصا بأنها مدينة كبيرة منيعة وسط صحارٍ شاسعة، وينسب أهلها تأسيسها إلى “هرقل الليبي”. ويقارنها بمدينة أخرى كانت تحيط بها عيون كثيرة، ليؤكد أنّ كابصا لم تعرف سوى عين واحدة دائمة داخل المدينة، ومياه أمطار لبقية حاجتها. ثم يروي كيف باغتها ماريوس فجرًا في نحو سنة 107 قبل الميلاد، فاستسلمت، ثم أُحرقت وقُتل رجالها وبيع الآخرون.

يرى المؤرخ الفرنسي بيار تروسّي، في مدخل “كابصا” من الموسوعة البربرية، أنّ وجود هذه العين داخل الأسوار يدلّ على قِدم الموقع واستمراره مركزًا محصّنًا. فالمياه التي تملأ الأحواض اليوم تنبثق من الصخر الذي شُيّدت فوقه القصبة الحفصية، المقامة على الأرجح فوق السور البيزنطي.

عادت كابصا إلى الحياة في العهد الروماني. فقد كانت في عهد الإمبراطور تراجان مدينة يسيّرها قضاة محليون بنظام موروث عن العهد البوني، ثم صارت بلدية لاتينية تؤكدها النقوش في عهد هادريان، قبل أن تنال لاحقًا لقب المستعمرة. وفي القرن السادس أحاطها القائد البيزنطي سليمان بسور جديد وحملت اسم “جوستينيانا”.

حوضان من الحجر المنحوت وإهداء إلى نبتون

لا تقدّم المصادر العلمية التي اطّلعنا عليها تاريخًا دقيقًا لتشييد الأحواض ولا اسم من بناها. وتنسبها إلى العهد الروماني اعتمادًا على طريقة البناء بالحجارة الضخمة المنحوتة، وعلى بقايا النقوش اللاتينية في جدرانها.

وبحسب الوصف الذي نقله تروسّي عن الباحث شارل سوماني، فإنّ الحوض الشرقي مستطيل طويل يبلغ نحو 15 مترًا طولًا و6.5 أمتار عرضًا. أمّا الحوض الأوسط فأوسع، وشكله شبه منحرف يبلغ طول ضلعيه الكبيرين 19 و16 مترًا، ويحدّه من جهة دار الباي رواق بأقواس. وتتصل الأحواض فيما بينها بقنوات مقبّبة تحت الأرض، فيما يقود درج في أحد أركانها إلى أحواض مغطاة كانت تُستعمل حمّامات بخار.

جدران الأحواض الرومانية بقفصة من الحجر المنحوت ودرج حجري، وخلفها مبانٍ بيضاء في المدينة العتيقة
جانب من الأحواض الرومانية في المدينة العتيقة بقفصة (تصوير: راديو كابصا اف ام)

وعلى جدار الحوض الأصغر نقش لاتيني معروف لدى علماء النقائش، مُهدى إلى نبتون إله المياه وإلى الحوريات. وفيه يذكر أحد وجهاء المدينة، ويُدعى غنايوس يونيوس، أنه أنشأ على نفقته الخاصة قناة ماء وعينًا وأهداهما. ولا يحدّد النقش، في قراءاته المنشورة، تاريخ هذا العمل.

لوحة فسيفساء تمثّل نبتون على عربة تجرّها خيول بحرية، مثبّتة في جدار حجري بالأحواض الرومانية بقفصة
لوحة فسيفساء لنبتون، إله المياه، على أحد جدران الأحواض (تصوير: راديو كابصا اف ام)

من “الطرميذ” إلى “الترميل”: اسم عبر القرون

لم يغب ماء قفصة عن كتب الجغرافيين. ففي القرن الحادي عشر، تحدّث البكري عن عينين غزيرتين داخل المدينة، تسقي مياههما أكثر من مئتي قرية عُرفت بـ”قصور قفصة”.

وفي القرن الثاني عشر، ذكر الإدريسي في “نزهة المشتاق” عينًا في وسط المدينة تُسمّى “الطرميذ”. ويرجّح المستشرقان دوزي ودي خويه، في ترجمتهما لكتابه سنة 1866، أنّ الاسم تعريب للكلمة اللاتينية الدالة على الحمّامات الحارة. ومن هنا، على الأرجح، جاء الاسم الذي ما زال متداولًا: “الترميل”.

ثم توالى الرحّالة. وصف الحسن الوزان، المعروف بليون الإفريقي، عيونًا مربعة واسعة عميقة مسوّرة في وسط المدينة، ماؤها حار لا يُشرب إلا بعد أن يبرد. وفي القرن الثامن عشر تحدّث الإنجليزي توماس شو عن حوض كبير للاستحمام كانت تعلوه قبّة، وعن أسماك صغيرة تعيش في مياه العيون.

أما الوصف الأدقّ فتركه الفرنسي فيكتور غيران، الذي زار قفصة في أفريل 1860. قاس حرارة عين القصبة فوجدها 31 درجة، ورأى فيها “جمعًا من الأسماك الصغيرة”. وسجّل أسماء الأحواض كما نطقها الأهالي: “ترميل الرجال” و”ترميل النساء”، إضافة إلى “ترميل الباي” المجاور لدار الباي.

بطاقة بريدية قديمة بالأبيض والأسود تُظهر أحد الأحواض الرومانية بقفصة ونخيلًا ومباني المدينة العتيقة
الأحواض في بطاقة بريدية من عهد الاستعمار الفرنسي، قبل ترميمها

القمزة: حين يصير الحوض ملعبًا

لم تكن الأحواض يومًا مجرد أطلال تُرى من بعيد. فقد ظلّت لعقود فضاء صيفيًا يسبح فيه أطفال المدينة وشبابها، ويقفزون إليه من أعلى الأسوار في مشهد صار من أشهر صور قفصة في الأدلة السياحية.

أطفال يسبحون في مياه زرقاء بأحد الأحواض الرومانية بقفصة سنة 1912، في صورة قديمة ملوّنة
سابحون في الأحواض الرومانية بقفصة سنة 1912 (صورة لوّنها راديو كابصا اف ام)

ولهذا القفز اسم محلي هو “القمزة”. وفي أواخر ماي 2025 حملت اسمَه تظاهرة ثقافية ورياضية احتضنتها الأحواض، تضمّنت عروض قفز وعرضًا مسرحيًا وزيارات للمتحف وفقرات فلكلورية. وقال كمال عبادي، أحد منظّميها، لموقع “العين الإخبارية” إنها “تهدف لإعادة الاعتبار إلى رياضة القفز في الأحواض”.

شاب يقفز من أعلى سور حجري في أحد الأحواض الرومانية بقفصة بينما يسبح آخرون في الماء
«القمزة»: القفز من أعلى أسوار الأحواض الرومانية بقفصة (تصوير: راديو كابصا اف ام)

ويحفظ الموروث الشعبي حول المكان حكايات أخرى، منها اعتقاد قديم بأنّ العيون لا تتدفق بقوة إلا بعد ذبح عجل، وأنّ الحوريات تحمي السابحين من الغرق. وهي روايات شفوية تعكس مكانة الماء في وجدان أهل المدينة أكثر مما تروي وقائع.

عندما يتراجع الماء

غير أنّ العين التي وصفها سالوستيوس بأنها لا تنقطع لم تصمد أمام القرن العشرين. فمنذ 2009 تقريبًا، أشارت دراسة منشورة في مجلة متخصصة إلى أنّ الحمّام الروماني في المدينة العتيقة جفّ منذ سنوات، مع تراجع مستوى المائدة المائية بفعل الضخ غير المنظّم.

وتؤكّد دراسة علمية صدرت سنة 2014 في مجلة LARHYSS أنّ المائدة المائية العميقة بقفصة الشمالية تتعرّض لاستغلال مفرط. وتربط الدراسة ذلك بتوسّع قطاع الفسفاط وتهيئة الواحات وكثرة الآبار العميقة، وتسجّل انخفاض مستويات المياه بما بين مترين وستة أمتار. ولا تتناول الدراسة الأحواض مباشرة، لكنها ترسم الإطار الذي جفّت فيه العيون الطبيعية.

وفي مارس 2018 أعلنت وزارة الفلاحة تزويد الحوض الروماني بالماء من آبار المنطقة السقوية “القصبة”، بربط مصرفه بشبكة الري. وأوصى الوزير آنذاك سمير الطيّب بإيجاد مصدر تزويد مستقل لاحقًا. لكن في ديسمبر 2023 وصف موقع “كابيتاليس” الحوضين بأنهما جافّان، تتراكم فيهما الفضلات بدل الماء.

ثم عاد المشهد إلى الحياة في ماي 2025. فخلال زيارة وزير السياحة سفيان تكايا إلى مسلك المدينة العتيقة يوم 17 ماي، كانت الأحواض و”الترميل” قد استعادت مياهها، ثم احتضنت تظاهرة “القمزة” بعد أيام. ولا تحدّد المصادر المتاحة مصدر هذه المياه ولا ما إذا كان التزويد دائمًا.

مياه خضراء في أحد الأحواض الرومانية بقفصة بين جدران من الحجر المنحوت تتخللها فتحات مقوّسة
مياه أحد الأحواض الرومانية بقفصة (تصوير: راديو كابصا اف ام)

ويأتي ذلك في سياق أوسع، إذ تمتد واحات قفصة على نحو ثلاثة آلاف هكتار، وصنّفتها منظمة الأغذية والزراعة ضمن النظم الزراعية ذات الأهمية العالمية. وتحذّر تقارير المنتدى التونسي للحقوق الاقتصادية والاجتماعية من تواصل انخفاض الموائد المائية وارتفاع الملوحة.

اقرأ أيضا: وزير السياحة من ڨفصة: انطلاقة جديدة نحو وجهة سياحية مستدامة

معلم محمي… ينتظر التثمين

رغم تصنيفه منذ أكثر من قرن، يظل المعلم بعيدًا عن المسالك السياحية الكبرى. ففي ماي 2026 نشر موقع “ويبدو” مقالًا يصف الأحواض بأنها مهملة ومنسية، مشيرًا إلى أنّ آخر تهيئة لها تعود إلى نحو ثلاثين عامًا، وأنّ أفواج السياح تمرّ بقفصة نحو الجريد دون توقف.

وعلى بعد خطوات، يحفظ المتحف الأثري بقفصة جزءًا آخر من الحكاية: أدوات الحضارة القفصية التي تحمل اسم المدينة منذ عصور ما قبل التاريخ، وقطعًا رومانية من بينها لوحة فسيفساء كبيرة تصوّر ألعاب السيرك. ويمكن لزيارة واحدة أن تجمع الموقعين معًا.

اقرأ أيضا: الحضارة القبصية: ما الذي نعرفه فعلًا عن «الرماديات» وموقع المقطع في قفصة؟

محطات في تاريخ الأحواض

  • نحو 107 قبل الميلاد: ماريوس يستولي على كابصا، المدينة ذات العين الواحدة الدائمة بحسب سالوستيوس.
  • القرن 12: الإدريسي يذكر عين «الطرميذ» في وسط المدينة.
  • أفريل 1860: فيكتور غيران يقيس حرارة عين القصبة: 31 درجة.
  • 3 مارس 1915: إدراج المعلم ضمن المعالم المصنّفة.
  • مارس 2018: تزويد الحوض بالماء من آبار المنطقة السقوية «القصبة».
  • ديسمبر 2023: الحوضان جافّان بحسب «كابيتاليس».
  • ماي 2025: عودة المياه وتظاهرة «القمزة».

ماذا بعد؟

تبقى أسئلة كثيرة معلّقة: من أين تأتي مياه الأحواض اليوم؟ هل سيُنجز مصدر التزويد المستقل الذي أوصي به سنة 2018؟ وهل يتحوّل المعلم إلى محطة ثابتة في المسالك السياحية للجنوب؟

إلى ذلك الحين، يستطيع كل زائر أن يساهم بالقليل: احترام الموقع، وعدم رمي الفضلات في الأحواض، وزيارة المتحف المجاور الذي يفتح أبوابه كل الأيام عدا يوم الاثنين. فهذه الأحجار التي حفظت الماء ألفي عام لا تحتاج إلى المعجزات، بل إلى من يتذكّرها.

المصادر

تمّ إعداد هذا المقال بالاستعانة بتقنيات الذكاء الاصطناعي تحت إشراف إدارة التحرير.

راديو كابصا اف ام · صوت قفصة