الزواج في قفصة سنة 1911: وثيقة تروي العرس من الخطبة إلى الدخلة
في ليلة عرس ببلاد ورغمة، شاهد شاب من قفصة، عُيّن حديثا «خوجة» (كاتبا) في أحد المراكز، «رقصة الشعر» لأول مرة، واستغرب أن تُظهر العروس وصديقاتها وجوههن أمام جميع الحاضرين.
قارن الشاب بين عادات تلك الجهة وعادات بلده، فطلب منه صديقه الضابط المترجم أن يدوّن روايته، وترجمها ونشرها في «المجلة التونسية» (Revue Tunisienne)، العدد 90 الصادر في نوفمبر 1911، على ثماني صفحات (480–487) بعنوان «كيف يتم الزواج في قفصة».

وثيقة من 1911: من كتبها وأين نُشرت
يذكر غلاف العدد أن المجلة تأسست سنة 1894 على يد «معهد قرطاج»، وهو جمعية تونسية للآداب والعلوم والفنون، وأنها تصدر كل شهرين. ووقّع الدراسة ضابط مترجم من الدرجة الأولى بتونس، لا يظهر اسمه إلا بحرف واحد وكنية: H. Menouillard.
وفي ملاحظة ختامية كتب الضابط أن الرواية لم تبدُ له مثيرة، لكنه رأى فائدة في تسجيل عادات توشك أن تزول، كما زالت عادات أخرى بالجزائر دون أن يبقى منها أثر.
يستوجب النص قراءة حذرة: هو رواية شاب واحد ترجمها ضابط في عهد الحماية الفرنسية، لا بحثا ميدانيا. ويعرض هذا المقال ما ورد فيه وينسبه إليه، وهي عادات سنة 1911 لا عادات قفصة اليوم.

الخطبة: وسيطة تمهّد الطريق بين الأسرتين
بحسب الرواية، يفكّر الأهل في تزويج الابن حين يبلغ نحو الثامنة عشرة أو العشرين، فيحضر أفراح النساء ومناسبات الولادة والجنائز، ويتردد على طرق الحمامات والمغاسل العمومية ليختار خطيبة.
فإذا وجدها قصد «عجوزا» تقوم بدور الوسيطة، وتصف الوثيقة عملها بأنه حرفة حقيقية. تزور أم الشاب وتمدح ابنها، وتحمل إلى بيت الفتاة أطعمة كمرق الدجاج ولحم الحمل، وتسأل أمها عن صحتها.
ثم تخبر الفتاة بأن شابا أُعجب بها وهي ذاهبة إلى الحمام أو إلى العين، وتطلب خاتمها دليلا على قبولها وأجرا لها، وتحمل إليها بدوره خاتمه. وتدبّر لقاء بينهما في السقيفة أو قرب الحمام، وتتقاضى أجرها من الطرفين.
بعدها يطلب الشاب من صديق للعائلة إبلاغ أبيه برغبته. وفي اليوم التالي تزور أمه بيت الفتاة مع ثلاث أو أربع نساء، حاملات لحما ومؤونة، فترد أم الفتاة بأن القرار لزوجها وأهلها.
ثم يزور والد الشاب، مع نحو عشرة من أعيان حيّه، والد الفتاة بعد الغروب. يعتذر الأب بأن ابنته صغيرة ومفيدة في البيت لمهارتها في صنع الأغطية، فيلحّ الوفد. ويرى الراوي أن رفضه شكلي غايته الحصول على مهر كبير.
المهر والهدايا والفاتحة: متى يصبح الزواج رسميا؟
تقدّر الوثيقة المهر في المتوسط بخمسمائة فرنك يدفعها والد العريس لوالد العروس، ومائة وثمانين فرنكا تشكّل الصداق نفسه. وتعدّد هدايا الخطيب: ثلاثة أزواج من الأقراط الذهبية على الأقل، وأساور من الفضة والذهب، وقلائد من الذهب والمرجان، وأحزمة من الحرير، واثنا عشر قميصا، وثماني ملاحف (أربع رمادية وأربع بيضاء).
ويضاف إليها لكسب رضا أسرة العروس: أربع «وِيبات» من القمح، وكبشان أو أربعة كباش سمينة، ومكيال زيت، ومبالغ مالية متفاوتة.
ثم تُعلن الموافقة رسميا ويتوافد المهنئون، ويجتمع الأهل حيث تُقرأ الفاتحة، وهي في الوثيقة التصديق الرسمي على الزواج. وتضيف أن الزوجين يصبحان من تلك اللحظة متزوجين في نظر القانون.
السلطان والوزير والحجّاب: موكب العرس وأسبوع الاحتفال
يُلقَّب العريس منذ ذلك اليوم «السلطان»، ويُسمّى أقرب أقاربه «الوزير»، ويُدعى بقية أصدقائه «الحجّاب». تُضاء دار العريس وتطلق نساء الجيران الزغاريد، ويحضر أتباع طريقة «القادرية» (Guadria في النص)، التي تقول الوثيقة إن أغلب أهل قفصة ينتمون إليها، ليدعوا للزوجين.

في اليوم التالي يُعرض جهاز العروس بحضور نحو مائة امرأة وفتاة في أجمل ثيابهن. ثم يسير موكب العريس وحجّابه نحو بيت العروس يتقدمه عازفو الزمر والدف، حاملا الحناء (نحو سبعة كيلوغرامات) والعطور والمؤونة.
وتلزم العروس غرفتها أياما لا يراها غير أمها وصديقاتها، وتُصحب كل ليلة إلى الحمام وسط الغناء والزغاريد، وتُخضّب يداها ورجلاها بالحناء عند العودة.
وفي يوم الحناء تُؤخذ العروس بعد الظهر إلى الحمام ثم تُلبس ثياب العرس وتُجلس على ما يشبه العرش. يقصّ وزير العريس خصلة من شعرها ويعطّرها، وتمسك أربع نساء حريرا فوق رأسها كالمظلّة، فيرمي فيه قطعة من خمسة فرنكات ويضيف الحجّاب قطعا فضية.
وعند الغروب يُؤخذ العريس إلى الحمام ثم إلى موضع خارج قفصة كتبته الوثيقة Hejrat-el-Arassa، وهو «حجرة العراسة» بالعامية قرب الترميل، ويترجمه المؤلف «حجارة الخطيبين»، حيث يلتحق به العازفون والطرق الدينية، بينما يقود أهله العروس في موكب إلى بيتهم.

عند دخول العروس غرفة العرس تُقدَّم لها بيضة مخطّطة بالزعفران، فترميها بقوة على الحائط. فإن التصقت دلّ ذلك، بحسب الوثيقة، على أنها ستبقى مع زوجها ولن تُطلَّق، وإن لم تلتصق فالطلاق متوقع، لكن ذلك لا يعكّر الفرحة. ثم تصعد العروس إلى سريرها وتضع أمامها مرآة كبيرة وتنتظر عريسها.
يقترب العريس بموكبه، وعلى بعد ست أو سبع خطوات يتركه ويدخل مسرعا فيضرب عروسه ثلاث ضربات بسيف يحمله منذ خطوبته، «لإثبات حقوقه عليها» بحسب النص. وبعد الطعام يبقى العريس ووزيره، ثم يترك الوزير الزوجين وحدهما.
يخاطب العريس عروسه ثلاث مرات دون جواب، فيعطيها حليا أو مالا يسمى «هدايا فكّ اللسان»، فتجيبه حينئذ. وتصف الوثيقة بعدها طقسا يتعلق بإثبات عذرية العروس أمام أمها وأقاربها والمدعوين، تعلنه الزغاريد وطلقات البنادق.
وفي منتصف الليل يذبح والد العروس كبشا يُعدّ بلحمه كسكسي يُرسل صباحا إلى الزوجين، ويسمى «قصعة الصباح». ويتكفل والد العريس بإطعام الحجّاب والوزير كل يوم منذ الخطوبة الرسمية حتى يوم الزفاف.
وتدوم الاحتفالات سبعة أيام بعد ليلة الدخلة: النساء تغنّي والشبان يلعبون بالسيف ويطلقون البنادق، والعريس مختبئ نهارا يعود إلى بيته ليلا. وفي اليوم السابع يظهر للناس ويعانق معارفه ويرى أباه ويستأنف حياته المعتادة.
ماذا تضيف هذه الوثيقة إلى ذاكرة قفصة؟
تحفظ الوثيقة أثرا مكتوبا عن طقوس الزواج بقفصة سنة 1911 بمصطلحاتها ومواضعها: السقيفة، والسلطان والوزير والحجّاب، وحجرة العراسة، وطرق القادرية والعيساوية والرحمانية. غير أنها لا تبيّن ما بقي من هذه العادات اليوم، ولا تكشف اسم الراوي كاملا، إذ لا يظهر منه سوى «محمد بن…».

اقرأ أيضا:
- واد الباي بقفصة: أحواض رومانية تحفظ ذاكرة الماء والقمزة
- مسرح الجنوب بقفصة 1972–1992: عشرون عاما من «جحا» إلى «الجراد»
- ابن منظور وقفصة: حكاية مدينة تبنّت صاحب «لسان العرب»
المصادر: H. Menouillard، «Mœurs indigènes: Comment se fait un mariage à Gafsa»، Revue Tunisienne، العدد 90، نوفمبر 1911، الصفحات 480 إلى 487 · غلاف العدد 90 من «المجلة التونسية» (نوفمبر 1911).
تمّ إعداد هذا المقال بالاستعانة بتقنيات الذكاء الاصطناعي في البحث المعمّق والتحقّق من الأخبار الزائفة، وتوليد الصور التوضيحية تحت إشراف إدارة التحرير.






