النفاذ إلى المعلومة في الاقتصاد الاجتماعي والتضامني: حقّ بلا تكوين، ومعرفة محتكَرة

ملف صحفي • حوكمة وشفافية

النفاذ إلى المعلومة في الاقتصاد الاجتماعي والتضامني: حقّ بلا تكوين، ومعرفة محتكَرة

بين إطار قانوني متقدّم وقطاع واعد، يبقى النفاذ إلى المعلومة في تونس امتيازاً للصحفيين والنخبة، فيما يُحرَم منه أصحاب التعاضديات والتعاونيات والمبادرات المحلية لغياب التكوين والمرافقة.

حين أقرّت تونس القانون عدد 30 لسنة 2020 المتعلّق بالاقتصاد الاجتماعي والتضامني، بدا أنّ منوالاً اقتصادياً جديداً يولد: منوال يضع الإنسان في قلب العملية الاقتصادية، ويَعِد بهيكلة الاقتصاد غير المنظّم، وتوزيع أعدل للثروة، وتشغيل آلاف العاطلين، وخاصّة أصحاب الشهائد العليا. لكن بين النصّ والواقع تفتح هذه الورقة سؤالاً نادراً ما يُطرح: هل يملك منتسبو هذا القطاع — من تعاضديات وتعاونيات وجمعيات ومجامع تنمية محلية — أدوات النفاذ إلى المعلومة التي يكفلها لهم الدستور والقانون؟ أم أنّ هذا الحقّ ظلّ حبيس دائرة ضيّقة من الصحفيين والحقوقيين والنخبة المدنية؟

١ — لماذا النفاذ إلى المعلومة شرطٌ لنجاح الاقتصاد التضامني؟

لا يقوم الاقتصاد الاجتماعي والتضامني على رأس المال وحده، بل على المعلومة بوصفها مورداً أساسياً. فالمبادر في هذا القطاع يحتاج، قبل أن يبعث مشروعه وبعده، إلى معطيات دقيقة: شروط الحصول على علامة «مؤسسة اقتصاد اجتماعي وتضامني»، وآليات التمويل المتاحة، وكيفية النفاذ إلى الأراضي الدولية أو العقارات العمومية، ومآلات الصفقات العمومية، والمعطيات المتعلّقة بالميزانيات الجهوية والمحلية.

وهنا يلتقي مساران تشريعيان حديثان في تونس: من جهة قانون الاقتصاد الاجتماعي والتضامني لسنة 2020، ومن جهة أخرى القانون الأساسي عدد 22 لسنة 2016 المتعلّق بالحقّ في النفاذ إلى المعلومة. فالأوّل يَعِد بقطاع اقتصادي ثالث عادل، والثاني يوفّر الأداة التي بدونها يتحوّل هذا الوعد إلى حبر على ورق. فالشفافية والمساءلة، وهما من صميم أهداف قانون 2016، ليستا ترفاً بل شرط بقاء لقطاع يقوم أصلاً على الثقة والتسيير الجماعي.

من دون نفاذ فعليّ إلى المعلومة، يتحوّل الاقتصاد التضامني من أداة تمكين إلى ساحة جديدة لإعادة إنتاج التهميش.

الحقّ مكفول نظرياً للجميع. فالقانون الأساسي عدد 22 لسنة 2016 يضمن لكلّ شخص طبيعي أو معنوي النفاذ إلى المعلومة، ويُلزم الهياكل العمومية وكلّ مؤسسة تنتفع بتمويل عمومي بنشر معطياتها وبالاستجابة لمطالب النفاذ. والمفارقة أنّ جمعيات القطاع ومؤسساته مشمولة بهذا الواجب بوصفها منتفعة بتمويل عمومي، لكنّها في الآن نفسه قلّما تستعمل القانون لصالحها بوصفها طالبة للمعلومة.

٢ — قطاع واعد بجذور عميقة… وحاجة ماسّة للمعطيات

ليس الاقتصاد التضامني نبتةً غريبة عن التربة التونسية. فله جذور تاريخية ضاربة في الممارسات التضامنية للجماعات الريفية والأحياء الشعبية، وله إرث تشريعي متين يعود إلى القانون الأساسي العام للتعاضد لسنة 1967. وقد جاء قانون 2020 ليتوّج مساراً نضالياً قاده الاتحاد العام التونسي للشغل على امتداد أكثر من أربع سنوات، وصودق عليه في البرلمان بأغلبية مريحة دون معارضة تُذكر.

وتُعدّ تجربة واحات جمنة بولاية قبلي النموذج الأبرز لهذا المنوال: تجربة تسيير ذاتي حوّلت أرضاً دولية إلى مشروع جماعي تُوجَّه أرباحه نحو البنية التحتية والمصلحة العامة. غير أنّ هذه التجربة نفسها كشفت حجم الإشكاليات القانونية والمعلوماتية التي تعترض القطاع، وما رافقها من مفاوضات عسيرة مع أجهزة الدولة. ولو توفّر لأهالي جمنة وأمثالهم نفاذ سلس إلى المعلومة القانونية والإدارية، لاختُصرت سنوات من التوتّر وسوء الفهم.

والرهان اجتماعي بالأساس. فحين أُقرّ القانون كان عدد العاطلين عن العمل يقارب 639 ألفاً، من بينهم نحو 264 ألفاً من أصحاب الشهائد العليا، أي ما يناهز 42% من جملة العاطلين. هذه الفئة المتعلّمة هي الأقدر على بعث مؤسسات تضامنية، لكنّها أيضاً الأكثر تضرّراً حين تُغلَق في وجهها قنوات المعلومة الإدارية والتمويلية.

٣ — العائق الأكبر: حقّ بلا تكوين

هنا يكمن جوهر الإشكال. إذ لا يكفي أن يضمن القانون الحقّ في النفاذ إلى المعلومة حتى يصبح هذا الحقّ واقعاً ملموساً. فالقانون الأساسي عدد 22 لسنة 2016 وضع إجراءات دقيقة لتقديم مطلب النفاذ، ومنظومة آجال صارمة، ومسارات للتظلّم والطعن. لكنّ هذه الإجراءات، على وضوحها، تظلّ صعبة المنال على من لم يتلقَّ تكويناً في كيفية استعمالها.

ماذا يحتاج منتسب القطاع أن يعرف فعلياً؟

  • كيف يُصاغ مطلب نفاذ إلى المعلومة، وإلى أيّ هيكل يُوجَّه، وما هي المعطيات الواجب إدراجها فيه.
  • ما هي الآجال القانونية للردّ، ومتى يُعتبر الصمت الإداري رفضاً ضمنياً يفتح باب الطعن.
  • كيف يُقدَّم مطلب التظلّم لدى رئيس الهيكل في أجل أقصاه عشرون يوماً، ثمّ الطعن أمام هيئة النفاذ إلى المعلومة، فالمحكمة الإدارية.
  • ما هي الاستثناءات المشروعة (الأمن العام، الدفاع الوطني، المعطيات الشخصية) حتى لا تُستعمل ذريعةً تعسفية لحجب المعلومة.

هذه المعارف لا تُكتسب بالفطرة. وفي غياب برامج تكوين موجّهة خصيصاً لمنتسبي الاقتصاد التضامني — من فلاحين ومبادرين محليين ومسيّري تعاضديات في الجهات الداخلية — يبقى النصّ القانوني مجرّد إمكانية نظرية. فالفلاح المنخرط في تعاونية بقفصة أو القصرين أو سيدي بوزيد، والمرأة الريفية التي تدير مشروعاً تضامنياً، نادراً ما سمعا أصلاً بوجود «هيئة النفاذ إلى المعلومة»، فضلاً عن معرفة كيفية اللجوء إليها.

الحقّ الذي لا يُرافقه تكوين يتحوّل إلى امتياز للقادرين على فهم لغته, لا إلى أداة في يد من يحتاجه أكثر.

٤ — حين يُصبح النفاذ حكراً على الصحفيين والنخبة

لقد ارتبط النفاذ إلى المعلومة في الممارسة التونسية، إلى حدّ بعيد، بفئتين: الصحفيون والحقوقيون من جهة، والنخبة المدنية المنظَّمة في جمعيات مختصّة من جهة أخرى. وهؤلاء هم من راكموا الخبرة في صياغة المطالب وتتبّع الدعاوى أمام الهيئة. أمّا عموم المواطنين، وضمنهم منتسبو الاقتصاد التضامني، فبقوا خارج هذه الدائرة.

وليس هذا الاحتكار نتيجة سوء نيّة بقدر ما هو حصيلة فجوة في رأس المال المعرفي. فالصحفي يملك التكوين والشبكة والدافع المهني للنفاذ إلى المعلومة، بل إنّ هيئة النفاذ شكّلت تاريخياً سنداً أساسياً للصحفيين في معركتهم اليومية ضدّ البيروقراطية والتعتيم. لكنّ هذا الارتباط الوثيق بين النفاذ والعمل الصحفي حجب بُعداً آخر: أنّ المعلومة حقّ تنموي للمنتِج والمبادِر، لا مجرّد مادّة أوّلية للتحقيق الصحفي.

النتيجة أنّ منظومة بُنيت لتكون شاملة انتهت إلى أن تكون انتقائية بحكم الأمر الواقع. فمن يعرف القانون يستعمله، ومن يجهله يبقى رهين «ثقافة التكتّم» التي ما تزال سائدة لدى جزء من الإدارة. وهكذا يتعمّق التفاوت لا بين من يملك المال ومن لا يملكه فحسب، بل بين من يملك المعلومة ومن يُحرَم منها.

٥ — عراقيل مركّبة تُضاعف الإقصاء

ضعف النشر الاستباقي

يُلزم القانون الهياكل العمومية بنشر معطياتها تلقائياً، خاصّةً ما يتعلّق بالمالية العمومية والصفقات والميزانيات الجهوية والمحلية. لكنّ كثيراً من هذه المعطيات إمّا غير منشورة أو منشورة بصيغة يصعب فهمها على غير المختصّ، ما يحوّل النشر إلى إجراء شكلي.

هشاشة المنظومة الرقابية ذاتها

والأخطر أنّ الضامن المؤسّساتي لهذا الحقّ يعيش أزمة عميقة. فقد أكّدت رئاسة الحكومة لوكالة فرانس برس إغلاق مقرّ «هيئة النفاذ إلى المعلومة» منذ بداية أوت 2025 وإعادة إدماج موظفيها، بعد شلل شبه تامّ أصابها منذ ماي 2024 إثر شغور في تركيبة مجلسها. وقد اعتبرت منظمات المجتمع المدني، ومنها «أنا يقظ» والنقابة الوطنية للصحفيين، أنّ هذه الخطوة تمثّل ضربة للحقّ الدستوري في النفاذ إلى المعلومة وتعطيلاً لمرفق قضائي مستقلّ.

وأثر هذا التعطيل على منتسبي الاقتصاد التضامني مزدوج: فمن جهة يفقدون الجهة التي يُفترض أن يطعنوا أمامها عند رفض مطالبهم، ومن جهة أخرى يتلقّون رسالة ضمنية مفادها أنّ الشفافية لم تعد أولوية، وهو ما يُضعف ثقتهم أصلاً في جدوى تقديم أيّ مطلب.

غياب الوسيط والمرافقة الميدانية

بين النصّ القانوني والمواطن البسيط فراغ يفترض أن تملأه هياكل الوساطة: جمعيات محلية، إذاعات جهوية، فضاءات للتكوين المدني. وفي غياب هذه الوساطة، تبقى المعلومة معطى نظرياً لا يصل إلى من يحتاجه في عمق الجهات.

٦ — تجارب مقارنة: حين يُصبح التكوين جزءاً من المنظومة

تكشف التجارب الدولية أنّ نجاح الاقتصاد التضامني ارتبط دائماً ببناء قدرات الفاعلين فيه، لا بمجرّد سنّ القوانين.

فرنسا

يمثّل قانون 31 جويلية 2014 المرجع الأنضج، إذ اعترف بالقطاع كنمط مقاولاتي خاصّ وأنشأ «الغرفة الفرنسية للاقتصاد الاجتماعي والتضامني» (ESS France) لتمثيله والترويج له. وبفضل هذا التأطير المؤسّساتي والمرافقة، صار القطاع يمثّل نحو 10% من الناتج الداخلي الخام وقرابة 14% من مواطن الشغل الخاصة، بأكثر من 200 ألف مؤسسة و2.38 مليون أجير. الدرس هنا أنّ وجود هيكل تمثيلي قوي يضمن تدفّق المعلومة والتكوين نحو القاعدة.

المغرب

اعتمد المغرب مقاربة تدرّجية عبر استراتيجية وطنية للاقتصاد الاجتماعي والتضامني (2010–2020) قامت على سبعة محاور للنهوض بالجمعيات والتعاونيات والتعاضديات، مع تركيز خاصّ على التحسيس والتكوين. وقد بلغ القطاع حجماً معتبراً، إذ تضمّ جمعياته نحو 15 مليون منخرط، ثلثهم من النساء. الدرس هنا أنّ التحسيس وبناء القدرات سبقا التشريع ومهّدا له.

كيبيك (كندا)

تُظهر تجربة كيبيك أهمّية تبادل الخبرات، إذ استلهمت قانونها للاقتصاد الاجتماعي من المسار الفرنسي. وهو ما يؤكّد أنّ المعرفة المؤسّساتية قابلة للنقل والتوطين متى توفّرت الإرادة والوسائط.

في كلّ التجارب الناجحة, لم يكن التكوين رفاهاً لاحقاً, بل ركيزة أولى تُبنى عليها بقية الأركان.

٧ — نحو ديمقراطية فعلية للمعلومة: مقترحات

إذا كان المراد للاقتصاد التضامني أن يكون أداة عدالة لا واجهة جديدة للتفاوت، فإنّ دمقرطة النفاذ إلى المعلومة شرطٌ لا غنى عنه. ويمكن إجمال المداخل العملية في ما يلي:

  • إدراج وحدة تكوينية حول الحقّ في النفاذ إلى المعلومة ضمن كلّ برامج مرافقة باعثي مؤسسات الاقتصاد الاجتماعي والتضامني، تشرف عليها الإدارات المعنية بإسناد العلامة.
  • إنتاج أدلّة مبسّطة بالعربية والدارجة التونسية، ونماذج جاهزة لمطالب النفاذ والتظلّم، موجّهة خصيصاً للتعاضديات والتعاونيات ومجامع التنمية.
  • تفعيل دور الإذاعات الجهوية وجمعيات المجتمع المدني كوسائط محلية تُقرّب المعلومة من الفاعلين في عمق الجهات الداخلية.
  • استعادة الدور الكامل لهيئة النفاذ إلى المعلومة وضمان استقلاليتها، باعتبارها الضامن القضائي لهذا الحقّ ولثقة المواطنين فيه.
  • تعزيز النشر الاستباقي للمعطيات في صيغ مفتوحة وسهلة الفهم، لا في وثائق تقنية معقّدة تُقصي غير المختصّ.

خلاصة

يملك القطاع في تونس إطاراً قانونياً متقدّماً يَحسده عليه كثير من بلدان المنطقة: قانون للاقتصاد التضامني، وقانون رائد للنفاذ إلى المعلومة كان الأوّل من نوعه عربياً. لكنّ التقدّم التشريعي وحده لا يصنع العدالة. فما دام النفاذ إلى المعلومة حكراً على من يملكون التكوين والخبرة من صحفيين ونخب، وما دام منتسبو الاقتصاد التضامني محرومين من المرافقة، فإنّ الوعد بقطاع ثالث عادل سيبقى ناقصاً.

إنّ المعركة القادمة ليست معركة نصوص، بل معركة تكوينٍ وتمكينٍ تجعل من المعلومة حقّاً للجميع، لا امتيازاً لقلّة.

ملاحظة تحريرية: أُنجز هذا الملف اعتماداً على القوانين التونسية المنشورة بالرائد الرسمي (القانون عدد 22 لسنة 2016 والقانون عدد 30 لسنة 2020)، وعلى تقارير وبيانات منظمات وطنية ودولية، وتجارب مقارنة موثّقة. وهو موجّه للاستعمال التحريري لإذاعة كابصا.

موضوعات ذات صلة